الطب النفسي التغذوي: كيف تعيد علوم الدماغ صياغة الابتكار في التجميل
تكريم الدكتورة فيليس جاكا يسلط الضوء على الربط بين الطب النفسي التغذوي وصحة البشرة، داعيًا شركات التجميل إلى اعتماد المصداقية العلمية والنهج الشامل.
منذ سنوات، بدأت صناعة مستحضرات التجميل تعد المستهلكين بأن الحصول على بشرة أبهى وشعر أكثر لمعانًا وتأخير علامات التقدم في السن تبدأ جميعها من الداخل. غير أن هناك عضوًا رئيسيًا في الجسم ظل غائبًا إلى حد كبير عن إستراتيجيات القطاع: الدماغ.
وعلى مدى أكثر من عقد من الزمان، يعكف الباحثون على دراسة العلاقة بين النظام الغذائي والمزاج والصحة النفسية. لكن هل يمكن لهذه الأبحاث أن تفيد صحة البشرة؟ وفي وقت تتجه فيه صناعة الجمال بنحو متزايد نحو مفهوم طول العمر والجمال القادم من الداخل، لا يكمن السؤال الحقيقي في مدى توفر الأبحاث العلمية، بل في قدرة الصناعة على الاستفادة منها وتطبيقها بشكل مسؤول.
وخلال حفل توزيع جوائز "لوريال-اليوينسكو للجمال والعلم" (L'Oréal–UNESCO For Women in Science) لعام 2026، كُرّمت الدكتورة فيليس جاكا، مدير مركز الغذاء والمزاج بجامعة ديكين في أستراليا والمؤسسة لرابطة الأبحاث الدولية للطب النفسي التغذوي، باعتبارها إحدى الفائزات بالجائزة لهذا العام. ويعكس هذا التكريم تحولاً أوسع نطاقًا في كيفية فهم مفهوم العافية والصحة الشاملة عبر مختلف القطاعات الاقتصادية.
ولأكثر من ثلاثة عقود، دأبت الجائزة على تكريم الباحثات اللاتي أحدثت أبحاثهن تحولات جذرية في مجالاتهن. وقد كرّست جاكا جزءًا كبيرًا من مسيرتها المهنية للإجابة عن سؤال محوري: هل يؤثر ما نأكله بشكل مباشر على صحتنا النفسية؟
وقبل عقد من الزمن، كانت هذه الفكرة تُعد هامشية في الأوساط العلمية. أما اليوم، أصبحت شبه بديهية مقارنة بالبدايات التي شرعت فيها جاكا بنشر أبحاث تربط بين جودة النظام الغذائي والإصابة بالاكتئاب والاضطرابات النفسية الأخرى.
فما علاقة كل هذا بصناعة مستحضرات التجميل؟
مع تجاوز قطاع التجميل الاهتمام الظاهري بالبشرة، وسّعت العلامات التجارية أبحاثها لتشمل علوم الأعصاب، والالتهابات، وصحة الدماغ، والميكروبيوم. وتتفق هذه المجالات على رؤية متكاملة مفادها أن أجهزة الجسم تعمل كمنظومة مترابطة يؤثر كل جزء فيها على الآخر.
وتعد جاكا هذا التقاطع بين العلوم وصناعة التجميل حتميًا إلى حد كبير.
وفي تصريح لشبكة BeautyMatter، قالت جاكا: "يعكس هذا الاتجاه تحولاً شاملاً في تعريف مفهوم العافية في صناعة التجميل، بالابتعاد عن الاهتمام الشكلي المباشر والانتقال نحو تعزيز صحة الدماغ والجسم والبيئة على مدار مراحل العمر. وإذا استطعنا توجيه هذا الاهتمام بشكل مسؤول، فسيُسهم ذلك في إدراج الطب النفسي التغذوي والوقاية الصحية ضمن الممارسات الشائعة."
وعبر مختلف الشرائح والفئات العمرية، لاحظت جاكا أنماطًا بيانية ثابتة؛ إذ يقل معدل الإصابة بالاكتئاب والقلق لدى الأفراد الذين يتبعون أنظمة غذائية صحية، حتى بعد تحييد العوامل المؤثرة مثل الدخل، والمستوى التعليمي، والتدخين.
وفي عام 2017، قادت جاكا تجربة "SMILES" الشهيرة، وهي أول دراسة عشوائية محكومة أثبتت أن تحسين النظام الغذائي يمكن أن يقلل بشكل ملحوظ من أعراض الاكتئاب السريري. وأظهر المشاركون الذين حصلوا على دعم غذائي تحسنًا أكبر مقارنة بمن تلقوا دعمًا اجتماعيًا فقط.
وأوضحت جاكا: "أكدت لنا تلك النتائج أن التركيز على جودة الغذاء يمثل مسارًا علميًا موثوقًا للوقاية والعلاج في مجال الصحة النفسية."
وبعد مرور ما يقرب من عقد، تحول النقاش العلمي من إثبات شرعية الطب النفسي التغذوي إلى كيفية الاستفادة منه في صياغة السياسات الصحية والممارسات السريرية.
وتبدأ صناعة مستحضرات التجميل الآن في طرح تساؤلات مماثلة، وإن كانت تنطلق من دوافع تجارية وتسويقية مختلفة.
ويتجلى اهتمام التجميل المتزايد بصحة الدماغ في أبحاث الرائدين بالقطاع؛ فقد وسّعت مجموعة لوريال (L'Oréal) أبحاثها حول "محور البشرة والدماغ"، لدراسة تأثير الضغط النفسي على صحة الجلد وكيفية إسهام المكونات التجميلية العصبية في تحسين مظهر البشرة. كما استثمرت شركات أخرى مثل شيسيدو (Shiseido) في أبحاث علوم الأعصاب لفهم تأثير المشاعر والتجارب الحسية على البشرة. ويعتمد هذا النهج على مفهوم تكاملي يشبه أساس الطب النفسي التغذوي: لا يمكن فصل الدماغ عن الجسم عند تقييم العافية أو معالجتها.
ورغم هذا التحول، تشهد الأسواق إقبالاً متزايدًا على المنتجات الموجهة للعافية والمكملات الغذائية، حيث تعتمد العلامات التجارية على إطلاق مساحيق وأقراص ومشروبات في فئة مستحضرات التجميل الفموية تدعي تحسين الجوانب الصحية من الداخل، وهو ما يتجلى في ضخ رؤوس الأموال بالقطاع مثلما أظهرت صفقة استحواذ يونيليفر على شركة Grüns بقيمة 1.2 مليار دولار لتعزيز موقعها في مكملات العافية.
غير أن أبحاث جاكا تشير إلى اتجاه مختلف. وتستشهد بالالتهاب المزمن بوصفه عاملًا مسببًا للاكتئاب وأمراض القلب والأوعية الدموية والتدهور المعرفي، فضلاً عن شيخوخة البشرة. غير أنها تحذر من التعامل مع هذه الرابطة كمبرر لملاحقة أحدث صيحات المنتجات المضادة للالتهاب؛ إذ تتأثر هذه الحالات بالنظام الغذائي الكلي ونمط الحياة، وليس بمكون منفرد.
وتقول جاكا: "يتشابك الطب النفسي التغذوي طبيعيًا مع النقاشات الدائرة حول صحة البشرة وإطالة العمر الصحي. لكن النمط الشامل هو ما يصنع الفارق؛ فلا يمكن للمكملات الغذائية أن تعالج آثار نظام غذائي تهيمن عليه الأطعمة الفائقة المعالجة والمشروبات السكرية. وعندما نركز على تغذية الجسم كمنظومة متكاملة، تظهر الفوائد في مجالات متعددة."
وبالنسبة لعلامات التجميل والعافية التي تسعى للاستفادة من ادعاءات الصحة الحديثة، قد لا تكون رسالة جاكا الأسهل تسويقيًا، لكنها الرؤية التي تدعمها الأدلة العلمية.
وتضيف جاكا: "كثيرًا ما ننشغل بالمكونات المضافة إلى المنتجات دون إيلاء اهتمام كافٍ للأساسيات: الطهي المنزلي، وتناول أطعمة نباتية متنوعة، والحد من الأغذية الفائقة المعالجة. قد لا تكون هذه الرسالة جليبة للمبيعات، لكنها الوحيدة التي يدعمها العلم باستمرار."
وتركز أبحاث جاكا على مفهوم "طول العمر الصحي" (Healthspan) بدلاً من الاقتصار على زيادة أمد الحياة (Lifespan). وفي إطار الطب النفسي التغذوي، لا تُعد حماية صحة الدماغ مجرد جزء من طول العمر، بل هي الركيزة الأساسية؛ حيث تحدد الأمراض النفسية والتدهور المعرفي والعافية العاطفية كيفية تقدم الإنسان في العمر، مما يجعل صحة الدماغ هدفًا يوميًا يُبنى بانتظام بدلاً من محاولة إصلاحه في مراحل متأخرة.
وتتيح هذه الرؤية فرصة حقيقية لشركات التجميل لتعزيز العافية، لكنها تتطلب التزامًا أخلاقياً وعلميًا. وترى جاكا أن الإجراءات الأكثر تأثيرًا تتلخص في تحسين التركيبات والتخلص من المكونات الضعيفة تغذويًا، وتمويل الأبحاث المستقلة، ودعم الوصول إلى الأغذية الكاملة.
وفي قطاع يقوم على الابتكار المستمر، تدعو جاكا العلامات التجارية إلى التفكير بنحو أوسع في دورها التوعوي. ومع استمرار صناعة التجميل في الاستفادة من علوم الطب والتغذية والأعصاب، أصبحت المصداقية العلمية ميزة تنافسية لا تقل أهمية عن فعالية المنتج نفسه.
وتختتم جاكا بالقول: "من المقبول تمامًا أن تقول العلامات التجارية: 'هذا مجال واعد، وهذا ما نعرفه حتى الآن، وهذا ما لا نعرفه بعد، وهذه هي الطريقة التي ندعم بها أبحاثًا علمية أكثر دقة'."
النقاش
0 تعليق