10 أغسطس، 2026
الأسواق والاتجاهات

ارتفاع الطلب العالمي على اللبان يضع أشجار القرن الإفريقي أمام خطر الاستنزاف

يواجه سوق اللبان في القرن الإفريقي أزمة استنزاف حادة مع نمو الطلب العالمي في صناعتي التجميل والعطور، مما يدفع نحو حلول المعالجة المحلية وضمان سلاسل التوريد.

China Cosmetics
بقلم China Cosmetics
قراءة 1 دقيقة
ارتفاع الطلب العالمي على اللبان يضع أشجار القرن الإفريقي أمام خطر الاستنزاف

انتقل اللبان من مجامر المعابد التاريخية إلى زجاجات سيروم العناية بالبشرة، وهو تحول يضع أقدم صادرات منطقة القرن الإفريقي تحت ضغوط غير مسبوقة. وفي الصومال، يمثل هذا الصمغ النباتي ثالث أكبر مصدر للدخل بعد الماشية والزراعة، حيث يُحصد بشكل أساسي من المناطق الجبلية في "أرض الصومال" و"بونتلاند". غير أن غياب الرقابة التنظيمية، واستغلال الوسطاء والشركات الدولية، إلى جانب تداعيات التغير المناخي، تشكل جميعها تهديدات جادة لأشجار اللبان من جنس "البوسويليا" (Boswellia)، لا سيما أن الأشجار المغروسة حديثاً تحتاج إلى ما يصل إلى 25 عاماً لتنضج وتبدأ في إنتاج الصمغ.

وعلى الجانب الآخر من الحدود، تشهد أشجار "البوسويليا بابيريفيرا" في إثيوبيا — والتي تزود العالم بالجزء الأكبر من الصمغ الخام — تراجعاً حاداً قد يصل إلى 90% خلال الخمسين عاماً القادمة. وفي المقابل، يواصل الطلب العالمي ارتفاعه المتسارع بتأثير من التوسع المستمر في قطاع العطور والجمال الفاخر — على غرار التوسع في إطلاق المنتجات الجديدة مثل جورجيو أرماني تطلق عطر I Will الرجالي — إذ تُقدَّر قيمة سوق البخور العالمي وحده بنحو 6.2 مليارات دولار في عام 2026، وتتوقع التقديرات أن تصل إلى 26.27 مليار دولار بحلول عام 2034. وإن كل مستحضر سيروم يتضمن اللبان في قائمة المكونات يعتمد، ولو بنسبة ضئيلة، على المورد ذاته الذي ينكمش باستمرار فوق منحدرات القرن الإفريقي. وهذا الخلل الصارخ بين الإقبال المتزايد والإمدادات المتردية يجسد الجوهر الحقيقي للأزمة التي تواجه إنتاج اللبان في إفريقيا.

الإفراط في التجريح يتجاوز قدرة الأشجار على التجدد

وبدأت مظاهر هذا النقص تظهر جلياً في الأرقام والتوازنات المالية. ففي إقليم "تيغراي"، الذي يعد من أكبر مناطق إنتاج اللبان في إثيوبيا، بلغت الصادرات 9,604 أطنان بين عامي 2008/2009 و2012/2013، بعائدات إجمالية بلغت 32.74 مليون دولار، حيث استحوذت الصين وألمانيا واليونان وتونس والإمارات وفيتنام على 81% من إجمالي تلك الصادرات. لكن الأرقام الحديثة تكشف عن واقع أكثر قسوة؛ إذ توقع المسؤولون شحن 745 طناً من اللبان من إثيوبيا خلال أحد الأعوام الأخيرة، غير أن ما تم تصديره فعلياً خلال تسعة أشهر لم يتجاوز 500 طن، بعائدات بلغت 2.2 مليون دولار فقط، وهي أرقام تقل بنحو خمس مرات عن عائدات التصدير قبل سبع سنوات، عندما صدرت إثيوبيا 3,500 طن وحققت 11.8 مليون دولار.

وفي حديثه لمنصة "بيوتي ماتر" (BeautyMatter)، أوضح علي عبدي من شركة "ديزرت ريزن" (Desert Resin) متطلبات التجريح والاستخلاص المستدام بوضوح قائلاً: "يمتلك الحصاد المسؤول حدوداً صارمة للغاية، وهو أمر يسيء فهمه الكثيرون من خارج القطاع. إذ لا ينبغي تجريح شجرة اللبان السليمة بشكل مستمر أو مفرط لاستخراج الصمغ". وأضاف أن المزارعين كانوا يفهمون تقليدياً حاجة الأشجار إلى فترات راحة منتظمة، حيث تمثل هذه الفترات مسألة حياة أو موت للشجرة. وأردف: "المشكلة اليوم تكمن في تعرض بعض الأشجار للتجريح المفرط تحت ضغط الطلب في السوق والضغوط الاقتصادية. وعندما تتعرض الأشجار للإجهاد المتكرر، تتراجع جودة الصمغ وتتدهور صحة الشجرة".

من جانبه، صرح غاري سكالين، مؤسس شركة "أفريكا بوتانيكالز" (Afrika Botanicals) الذي يستورد اللبان الصومالي عبر مورد واحد قام بفحصه بنفسه، لمنصة BeautyMatter بالبعد الإنساني للأزمة قائلاً: "إذا استغللت المنتج الخام بشكل مفرط، فستحصل على كميات وعوائد أقل، وسيظل المجتمع المحلي يعاني الفقر. لذلك، يتوجب عليك حماية النباتات والأشجار والمجتمعات المحلية على حد سواء". كما أشار إلى المفارقة القائمة في جاذبية هذه الشجرة، وهي أن أقسى البيئات الطبيعية نمواً هي التي تنتج أجود أنواع الصمغ.

السعر الحالي لا يعكس التكلفة الحقيقية

عند تتبع المسار المالي للسلعة، يظهر تباين غير منطقي في هامش الربح. إذ أشار سكالين إلى زيت لبان أساسي يباع في الأسواق بسعر 103.50 دولاراً لعبوة سعة 20 ملليلتراً، مشيراً إلى أنه يأتي من المنطقة الصومالية ذاتها التي يستورد منها. واعتبر أن هذا الهامش المرتفع في السعر لا يمكن تبريره مقارنة بما يتقاضاه الحصادون والمقطرون المحليون بالفعل. كما أعرب عن شكوكه تجاه أي سيروم يباع بسعر 12 دولاراً لعبوة 30 ملليلتراً ويدعي الاعتماد على اللبان كمكون رئيسي، معلقاً: "من المستحيل أن يستخدموا لباناً طبيعياً أصلياً بهذه التكلفة".

وذكر سكالين أنه اختبر المنتج بنفسه؛ حيث قام على مدى أسبوعين بحرق عينة حصل عليها من مورده الصومالي كبخور في منزله، متتبعاً مدة الاشتعال وسلوك الرائحة بدقة. وقال: "لقد استنشقت اللبان الأصلي وتذوقته، ولا أعتقد أن معظم منتجات اللبان التي يشتريها المستهلكون بصفتها لباناً نقياً تعتمد على مصادر مستدامة".

من جانبه، قدم عبدي تفسيراً دقيقاً لعدم إمكانية تقديم اللبان الأصلي بأسعار زهيدة، مشيراً إلى أن المستهلكين لا يدركون غالباً حجم الصمغ الخام المطلوب لإنتاج زيت اللبان الأصلي المستخلص بالتقطير بالبخار. وأوضح أن العملية تتطلب كميات ضخمة من الصمغ عالي الجودة، إضافة إلى الفرز الدقيق، والحصاد اليدوي الكثيف، والنقل من المناطق الجبلية النائية، والتنظيف والتنقية ثم التقطير المتقن. وأوصى المشترين، عندما يبدو السعر منخفضاً بشكل غير طبيعي، بالتساؤل عما إذا كان الزيت مخففاً أو منخفض الجودة أو مغشوش البطاقة التعريفية أو مجهول المصدر، مضيفاً: "من المفاهيم الخاطئة الشائعة أن اللبان مورد غير محدود لمجرد أنه يُتداول منذ آلاف السنين، لكنه في الواقع مورد محدود للغاية".

وليس تقليل قيمة المنتج مجرد خلل عابر في السوق دون ضحايا، بل يرتبط مباشرة بظاهرة الإفراط في التجريح والحصاد. فقد أظهرت أبحاث أجريت على الأسر التي تعتمد على اللبان في منطقة "بورانا" بإثيوبيا، أن الصمغ يساهم في المتوسط بنحو 35% من إجمالي الدخل النقدي السنوي للأسرة. وبالتالي، فإن شراء الصمغ بأسعار بخسة عند المزرعة لا يمثل ممارسة غير عادلة فحسب، بل هو المحرك الأساسي لاستنزاف المورد الطبيعي ذاته.

التصنيع المحلي حلاً لإنقاذ الموارد

ويتمثل التحرك الهيكلي الأكثر وضوحاً في الإبقاء على عمليات المعالجة والتصنيع داخل بلدان المنشأ، مما يكسر النمط القديم القائم على تصدير الصمغ الخام وتكريره في الخارج ثم إعادة بيع الزيت النهائي بأسعار مضاعفة. وتعتمد شركة "شيبا نورديك أويلز" (Sheba Nordic Oils) بالكامل على هذا المفهوم. وفي تصريح لمنصة BeautyMatter، قال المدير التنفيذي للشركة، ميرَاف فولاس: "يتكرر المشهد ذاته دائماً؛ حيث تُنقل المواد الخام من إفريقيا إلى مناطق أخرى عبر العالم لمعالجتها ثم إعادة تصديرها إلينا". وتمثل إستراتيجية شركته التكامل الرأسي الكامل داخل الأراضي الإثيوبية، حيث أضاف: "نحن ننفذ جميع المراحل في إثيوبيا، حتى الزجاجات يُعاد إنتاجها محلياً".

ويرى فولاس أن هذه الخطوة يجب أن تقترن بجهود فعلية لإلغاء الوسطاء، مؤكداً: "نحن نستغني عن عدد كبير من الوسطاء لضمان حصول المزارعين على نسبة أعلى من الأرباح". كما رفض الفكرة الشائعة بأن المزارعين يعارضون سلاسل التوريد الأخلاقية، موضحاً: "ليست تلك هي المشكلة عادةً، فكل ما يرغبه المزارعون هو البيع لمن يقدم السعر الأفضل".

وهذه الفجوة في إمكانية تتبع المصادر هي ما تسلط عليه أبحاث منظمة "هالو ترست" (HALO Trust) الضوء عبر القطاع؛ إذ تؤدي الأسعار المنخفضة المدفوعة لمجتمعات الحصاد إلى تجريح مفرط للأشجار، مما يهدد صحتها الاستدامة ومعيشة السكان على المدى الطويل. وأكد عبدي هذا الأمر من منظور المشتري قائلاً: "تتضمن العديد من سلاسل التوريد وسطاء متعددين، وغالباً ما يُخلط الصمغ القادم من مناطق أو أنواع مختلفة قبل التصدير. ويمكن للعلامات التجارية التحقق من المصادر بشرط بناء علاقات مباشرة، وطلب الوثائق الرسمية، والتعامل مع موردين يلتزمون بالتتبع". ومع أن التجهيز المحلي لا يحل كل المشاكل، إلا أنه يقلل بدرجة كبيرة من عدد الأيدي التي يمر بها الصمغ قبل تعبئته.

ومع التوقعات بتراجع إنتاجية أشجار البوسويليا إلى النصف خلال عقدين في مناطق من القرن الإفريقي، يجب أن تنعكس هيكلة الأرباح العادلة على أرض الواقع — ولا سيما في السعر المدفوع للحصاد الذي يتسلق الشجرة، بدلاً من أن تظل مجرد شعارات تسويقية. فاللبان المعروض على أرفف المتاجر اليوم يعتمد على وقت مستقطع من أشجار لا يمكن الاستعجال في نموها، أو تزييف خاماتها بإتقان، أو زراعتها بسهولة في مكان آخر.

النقاش

0 تعليق

إضافة تعليق

انضم إلى النقاش

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *

التحقق الأمني

أكمل التحقق قبل نشر تعليقك.