علامات التجميل الصينية التقليدية تترنح أمام تحولات السوق ومخاطر الحوكمة
تواجه شركات التجميل الصينية الكلاسيكية أزمات هيكلية متصاعدة أدت إلى إفلاس وتصفية عدة علامات تاريخية مثل لونغليتشي وشانغهاي ميلان، مما يسلط الضوء على تداعيات تقادم المنتجات وضغوط الامتثال.
في 27 يوليو 2026، أدرجت المحاكم الصينية شركة "جيانغسو لونغليتشي للتكنولوجيا الحيوية" (Jiangsu Longrich Biotechnology) ومجموعة "لونغليتشي" (Longrich Group) ومؤسسها شو تشيوي، ضمن قائمة المنفَذ ضدهم أحكاماً قضائية بقيمة 83.86 مليون يوان صيني (نحو 11.6 مليون دولار أمريكي). وتعد هذه ثاني قضية تنفيذ مالي ضخمة تواجهها الشركة خلال العام نفسه، بعد إدراجها في مايو السابق ل تنفيذ أحكام تجاوزت 258 مليون يوان. وبإضافة قضية التنفيذ القضائي المسجلة في يونيو 2024 بقيمة 609 ملايين يوان، يتجاوز إجمالي المبالغ المطالبة بها لونغليتشي والأطراف المرتبطة بها 900 مليون يوان (أكثر من 125 مليون دولار).
تأتي هذه الأزمات المالية المتلاحقة لتعصف بشركة كانت تعد إحدى أيقونات صناعة العناية الشخصية في الصين، حيث تجاوزت مبيعاتها السنوية سابقاً 7.8 مليارات يوان، وتصدر منتجها الشهير "كريم زيت الثعبان" قائمة الأكثر مبيعاً في البلاد على مدار 11 عاماً متتالية.
غير أن تعثر لونغليتشي ليس حالة فردية في قطاع التجميل الصيني. فقبل أسبوع واحد فقط من هذا الحكم، وتحديداً في 20 يوليو، أعلنت محكمة الشعب بمنطقة بودونغ الجديدة في شانغهاي إفلاس شركة "شانغهاي ميلان لمستحضرات التجميل" (Shanghai Meilan Cosmetics). وتُعد هذه الشركة التأسيسية التي أُنشئت عام 1984 واحدة من أعرق المصانع الوطنية، وتمتلك العلامة التجارية الشهيرة لكريم الترطيب الكلاسيكي "شانغهاي فانيشينغ كريم" (Shanghai Vanishing Cream). وأظهرت وثائق المحكمة أن إجمالي الأصول القابلة للتصفية لدى الشركة بلغت 95,849.82 يوان فقط (نحو 13.3 ألف دولار)، مقابل ديون معتمدة بلغت 19.41 مليون يوان.
وفي الإطار نفسه، تقدمت مجموعة "تونغرينتانغ" (Tongrentang Group) المملوكة للدولة بطلب للتصفية الإجبارية لشركتها التابعة "بكين تونغرينتانغ لمستحضرات التجميل"، المنشأة عام 2005. وكان أجل الرخصة التشغيلية للشركة التابعة قد انتهى في ديسمبر 2025، قبل أن تُدرج في يوليو 2026 ضمن قائمة المنشآت المخالفة لعدم الإفصاح عن تقاريرها السنوية. وتزامن ذلك مع رفع المجموعة الأم رسوم استخدام العلامة التجارية على الشركة التابعة من 8.96 ملايين يوان في 2024 إلى 35.57 مليون يوان في 2025.
إن تعثر ثلاث علامات تجميل صينية تقليدية بارزة في الشهر نفسه يطرح تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كانت هذه الحوادث مجرد مصادفة أم مؤشراً على أزمة هيكلية عميقة تعيد تشكيل خارطة صناعة مستحضرات التجميل في الصين.
لونغليتشي: من "كريم زيت الثعبان" إلى أزمات التسويق الهرمي
لتتبع جذور الانهيار في لونغليتشي، ينبغي العودة إلى عام 2009 عندما حصلت الشركة على ترخيص البيع المباشر من وزارة التجارة الصينية. وكان من المفترض أن يشكل الترخيص نقطة انطلاق نحو نمو المؤسسي حذر، لكنه تحول إلى بداية الانحراف عن النشاط التصنيعي الأساسي.
بين عامي 2010 و2012، فرضت السلطات الرقابية في عدة مقاطعات صينية عقوبات على شبكات التوزيع التابعة للشركة بسبب ممارسات تنظيم شبكات تسويق هرمي غير مشروعة. وكشفت التحقيقات عن فرض الشراء الإجباري لباقات منتجات بأسعار مضاعفة مقابل منح رتب عضوية وعود بعوائد مالية، في حين كانت المنتجات المرفقة ذات أسعار مبالغ فيها ولا تحظى بإقبال حقيقي في منافذ التجزئة.
ومع استمرار تعديل قواعد الشروط المالية داخلياً وتعثر توزيع العوائد، تصاعدت النزاعات القضائية. وحتى يناير 2026، سجلت الدوائر القضائية الصينية أكثر من 840 وثيقة حكم مرتبطة بلونغليتشي، تناولت 87 منها اتهامات مباشرة بالتسويق الهرمي.
ورغم تحول النموذج التسويقي عبر السنوات، واصلت الشركة طرح مشاريع قائمة على الاشتراكات الشبكية؛ ففي عام 2018 أطلقت منصة تجارة إلكترونية خاصة وعدت بتقديم أرباح سنوية للمستثمرين. وبعد إدراجها في بورصة نادساك عام 2021، هبط سعر سهم الشركة من 8.6 دولارات إلى 0.2 دولار، مما أدى إلى انهيار التزاماتها المالية. وفي عام 2024، طرحت مشروعاً لتوزيع حليب الأغنام بحد أدنى للااشتراك يبلغ 286 يواناً.
ولم يكن منتج حليب الأغنام هذا مدرجاً ضمن قائمة الـ 87 منتجاً المصرح للشركة ببيعها عبر البيع المباشر. كما أنه كان يحمل ترخيص غذاء عادي فقط دون تسجيله كغذاء صحي وظيفي، ورغم ذلك جرى الترويج له بادعاءات علاجية غير مثبتة. وترافق ذلك مع استغلال أسماء مراكز بحثية متوقفة رسمياً للترويج للمنتج.
وبالموازاة مع هذه الممارسات، تراجعت مبيعات التجميل الأساسية للشركة بصورة حادة؛ حيث أظهرت بيانات منصات التجارة الإلكترونية انخفاض مبيعات لونغليتشي من 364 مليون يوان في 2023 إلى 105 ملايين يوان فقط خلال النصف الأول من عام 2026. وتراكمت على إحدى شركاتها التابعة متأخرات ضريبية بقيمة 10.92 ملايين يوان مع تجميد حصص أسهم بقيمة 150 مليون يوان، بينما يواجه المؤسس شو تشيوي تحقيقات قضائية بشبهة جمع الأموال غير المشروعة.
شانغهاي ميلان: 40 عاماً من التراث ينتهي بأصول لا تتجاوز 95 ألف يوان
إذا كانت أزمة لونغليتشي ناتجة عن انحرافات تشغيلية، فإن نهاية "شانغهاي ميلان" تعكس تحديات المواكبة في سوق سريع التغير.
تأسس مصنع شانغهاي ميلان عام 1984، وكان من أوائل المنشآت الحاصلة على تراخيص تصنيع مستحضرات التجميل في الصين. وفي عام 1985، بلغ إنتاج الصين من كريمات "الفانيشينغ" (كريمات الترطيب التقليدية) نحو 123 ألف тон، لتشكل 68% من إجمالي منتجات العناية بالبشرة حينها. واستغلت شانغهاي ميلان هذه الطفرة لتطوير علامتها الرائدة ومنافسة المصانع المحلية.
ومع تراجع الطلب على المستحضرات التقليدية، حاولت الشركة في عام 2014 إعادة إطلاق منتجاتها كشرائط وهدايا تذكارية مرتبطة بالسياحة الثقافية عبر علامة "زينغيغه" (Zhen Ge Ge)، والتوسع في مئات منافذ البيع.
غير أن التحول الحاسم حدث عام 2021 عندما استحوذت شركة "شين داتونغ" (Shen Datong) المدرجة على شانغهاي ميلان بهدف دخول قطاع التجميل. ولكن المجموعة الأم واجهت أزمات مالية وتنظيمية أدت إلى إلغاء إدراجها في البورصة عام 2023 بعد تراجع أسهمها بأكثر من 80%، مما أدى إلى قطع سيولة التمويل عن شانغهاي ميلان وتراكم الديون التنفيذية عليها حتى إعلان إفلاسها في 2026 بأصول متبقية لا تتعدى 95 ألف يوان.
تونغرينتانغ لمستحضرات التجميل: إنهاء اختياري لنشاط متعثر
على عكس الإفلاس القسري لشركة شانغهاي ميلان، جاءت تصفية شركة "بكين تونغرينتانغ لمستحضرات التجميل" كخطوة استراتيجية من المجموعة الأم للتخلص من الأصول غير الكفء.
أنشئت الشركة التابعة عام 2005 بنسبة ملكية 51% لمجموعة تونغرينتانغ المتخصصة في الطب الصيني التقليدي. وعلى مدار عقدين، طرحت خطوط إنتاج شملت العناية بالشعر والبشرة والمعاجين، لكنها عجزت عن ابتكار منتج قيادي في السوق؛ إذ تراجعت مبيعات المنتجات الحاملة لاسم تونغرينتانغ عبر منصات التجارة الإلكترونية بنسبة 49% خلال العام الأخير لتبلغ نحو 287 مليون يوان.
إلى جانب ضعف المبيعات، تعرضت الشركة التابعة لسلسلة من العقوبات التنظيمية من هيئة إدارة المنتجات Medical Products Administration، تضمنت غرامات لعدم الالتزام بتسجيل العلامات التجارية، ومخالفات في جودة المنتجات الموكل تصنيعها لدى مصانع متعاقدة (OEM/ODM).
وفي أواخر عام 2025، ومع تشديد الرقابة على استخدام العلامات التجارية التاريخية والتراخيص الخارجية، أعلنت مجموعة تونغرينتانغ مراجعة شاملة لامتيازات العلامة التجارية، لتقدم في يوليو 2026 طلباً رسمياً إلى المحكمة لتصفية الشركة التابعة وإغلاق ملف نشاط التجميل غير المربح.
لماذا تتداعى العلامات المحلية التقليدية؟
تظهر مراجعة هذه الحالات أسباباً هيكلية مشتركة لتراجع العلامات المحلية الكلاسيكية:
أولاً، تقادم المنتجات وفجوة الأجيال: يعتمد تسويق كريمات الترطيب الكلاسيكية على الحنين إلى الماضي، لكن المستهلكين الجدد في قطاع التجميل يفضلون التركيبات المتقدمة المدعومة باختبارات سريرية وفاعلية مثبتة.
ثانياً، الاعتماد على نماذج توزيع غير مستدامة: أدى تحول التركيز من البحث والتطوير (R&D) إلى مجرد توسيع شبكات البيع أو أساليب التسويق الهرمي إلى فقدان المصداقية لدى المستهلكين.
ثالثاً، مخاطر الاستحواذ والتجميع التجارية: أظهرت تجربة شانغهاي ميلان أن الاعتماد على مجموعات قابضة غير مستقرة مالياً يعرض الشركات التابعة للهزات الهيكلية.
رابعاً، اشتداد المنافسة في السوق الصينية: بين صعود العلامات المحلية الحديثة القائمة على التجارة الإلكترونية السريعة والتسويق الرقمي، واحتفاظ العلامات العالمية بحصص واسعة في الفئات الفاخرة، وجدت العلامات التقليدية نفسها في موقع حرج يفتقر إلى الابتكار والقدرة المرنة على المنافسة.
في ظل هذه التحولات السريعة، تعيد العديد من المجموعات الوطنية ترتيب أوراقها الاستثمارية للتركيز على الكفاءة التشغيلية؛ حيث أظهرت التطورات الأخيرة كيف أن مجموعة Osmun الصينية تخرج من قطاع اختبارات التجميل وتعدّل محفظة استثماراتها للتكيف مع متطلبات السوق الجديدة.
الابتكار والالتزام بالضوابط أولاً
يعكس تاريخ هذه العلامات مراحل تطور صناعة العناية الشخصية في الصين؛ فبينما كان النمو الأولي يعتمد على سد النقص في السوق، تتطلب المرحلة الحالية الاستثمار في الأبحاث والالتزام التام بالمعايير التنظيمية والشفافية.
توضح دراسة أزمات الشركات التقليدية أن حماية القيمة التجارية للعلامات ترتبط بالتركيز على جودة التركيبات، وتلبية تطلعات المستهلك الحديث، والامتثال الصارم لقوانين حماية المستهلك والحوكمة المؤسسية.







النقاش
0 تعليق