إل في إم إتش تتخلى عن دار باتو مع تراجع أرباح الفخامة
أعادت مجموعة LVMH دار باتو إلى مالكها السابق بعد خسائر تراكمت لسنوات، في إطار إعادة هيكلة محفظة علاماتها التجارية والتركيز على أصولها الفاخرة الكبرى.
في الرابع من أغسطس، أتمت مجموعة "إل في إم إتش" (LVMH) صفقة إعادة بيع لدار الأزياء الفرنسية العريقة "باتو" (Patou)، حيث أعلنت تقارير إعلامية دولية عن بيع حصة الأغلبية في الدار العريقة التي يعود تاريخها لقرن من الزمان إلى رجل الأعمال البريطاني ديليش ميهتا، الذي كان قد نقل ملكيتها إلى المجموعة قبل ثماني سنوات.
ورغم أن انطباع الجمهور الأكبر عن "باتو" لا يزال يرتبط بكونها علامة تجارية متخصصة في العطور، فإن هذه الخطوة تمثل ثاني عملية تتخلى فيها LVMH عن دار أزياء خلال ثلاثة أشهر فقط، وذلك عقب بيع علامة "مارك جاكوبس" (Marc Jacobs) في مايو الماضي.
ولم يكشف الطرفان عن قيمة الصفقة، إلا أن خروج "باتو" من مظلة المجموعة العملاقة والعودة إلى التشغيل المستقل أصبح واقعاً مؤكداً.
فاتورة تجربة استمرت ثماني سنوات
عندما استحوذت LVMH على "باتو" في عام 2018، كانت العلامة التجارية في حالة خمول استمرت لثلاثة عقود.
وفي الواقع، يعود آخر مجموعة أزياء قدمتها "باتو" إلى عام 1987، وهو العام الذي غادر فيه المصمم كريستيان لاكروا الدار لتأسيس علامه الخاصة، لتقوم "جان باتو" (Jean Patou) بوقف خط الأزياء الراقية والإبقاء فقط على قطاع العطور للحد من الخسائر.
وخلال العقود التالية، ظلت "جان باتو" حاضرة في أذهان المهتمين بالقطاع بفضل عطرها الأيقوني "جوي" (Joy)، الذي توج في جوائز FiFi لعام 2000 بلقب "عطر القرن"، متفوقاً على عطر "شانيل رقم 5".
لكن الاعتماد على العطور وحده لم يكن كافياً لتلبية طموحات LVMH في إعادة إحياء الدار لتكون إحدى العلامات التجارية الفاخرة.
لذلك، قررت المجموعة الرهان على إعادة التموضع؛ فاختصرت الاسم من "جان باتو" إلى "باتو" الأكثر حداثة، واستقطبت المصمم غيوم هنري، الذي قاد سابقاً تجديد علامتي "كارفن" (Carven) و"نينا ريتشي" (Nina Ricci)، كما عينت التنفيذية المخضرمة من داخل المجموعة، صوفي بروكار، في منصب المدير التنفيذي، بهدف إعادة الدار التاريخية إلى منصات الأزياء الجاهزة.
وفي السنوات الأولى، حققت "باتو" بعض التواجد الملفت، حيث نظمت عروضاً خلال أسبوع باريس للهوت كوتور، وافتتحت متاجر في طوكيو وسول، ووسعت شبكة التوزيع لتشمل نحو 100 بائع تجزئة حول العالم. كما تعاونت مع علامات مثل "أونيتسوكا تايغر" (Onitsuka Tiger) للملابس الرياضية ومحل الحلويات الباريسي "لادوريه" (Ladurée) لخلق زخم على منصات التواصل الاجتماعي.
غير أن هذا الزخم الإعلامي لم يتحول إلى أرباح تشغيلية. ووفقاً للوثائق المالية التي قدمتها "باتو" إلى المحكمة التجارية الفرنسية، ارتفعت إيرادات العلامة من 3.95 مليون يورو في عام 2021 إلى 13.76 مليون يورو في عام 2024، وهو معدل نمو يبدو إيجابياً من حيث المبيعات.
لكن الخسائر تضاعفت بالتوازي؛ إذ سجلت العلامة خسارة قدرها 8.86 ملايين يورو في 2021، وانخفضت مؤقتاً إلى 2.16 مليون يورو في 2022، قبل أن تتسع مجدداً إلى 5.74 ملايين يورو في 2023، وتصل إلى 7.18 ملايين يورو في 2024.
وبذلك، تجاوز إجمالي الخسائر الصافية للدار خلال أربع سنوات 23.9 مليون يورو.
وعلى مدار ثماني سنوات، أنفقت LVMH موارد مالية وإدارية ضخمة لدعم علامة تجاوزت إيراداتها السنوية حاجز الـ10 ملايين يورو بقليل بينما تستمر في استنزاف السيولة، وهو حجم يعد ضئيلاً جداً ولا يذكر مقارنة بإيرادات علامة مثل "لوي فيتون" (Louis Vuitton) التي تحقق مليارات اليوروهات في الربع الواحد.
وفي فبراير من هذا العام، انتهى عقد المدير الإبداعي غيوم هنري بعد سبع سنوات من العمل، حيث وصف البيان الصادر عن الدار الانفصال بأنه "قرار مشترك"، مع الإشارة المبهمة إلى "استكشاف نموذج تطوير جديد".
وعلى مدى الأشهر الستة التالية، لم تعلن "باتو" عن خَلف لهنري ولم تطرح مجموعات جديدة، حتى اكتملت صفقة البيع في أواخر أغسطس، ليتضح أن عبارة "استكشاف نموذج جديد" كانت تمهيداً لإنهاء الشراكة.
ومن التفاصيل اللافتة أنه عند استحواذ LVMH على "باتو" عام 2018، حصلت المجموعة على حقوق اسم العطر الشهير "جوي" (Joy)، واستخدمته لإطلاق عطر "Joy by Dior" في العام نفسه. ورغم انتقال ملكية "باتو"، احتفظت LVMH بحقوق استخدام اسم العطر الأكثر قيمة في أصول الدار.
عمالقة الفخامة يعيدون هيكلة محفظة العلامات
لا تُعد "باتو" العلامة الوحيدة التي تتخلى عنها LVMH هذا العام؛ ففي مايو الماضي، باعت المجموعة علامة "مارك جاكوبس" إلى شركة إدارة العلامات التجارية الأمريكية WHP Global مقابل نحو 850 مليون دولار. وسبق ذلك التخلي عن علامة الشارع الشهيرة Off-White في 2024، والتنازل عن حصة 49% في علامة "ستيلا مكارتني" (Stella McCartney) في 2025.
ومع إنهاء ملكية "باتو"، تكون LVMH قد جردت محفظتها من أربع علامات تجارية للأزياء على الأقل خلال 18 شهراً.
وتشير تكهنات السوق إلى أن أسماءً أخرى قد تدرج في قوائم البيع المحتملة، بما في ذلك علامتا التجميل Fenty Beauty وMake Up For Ever، دون تأكيد رسمي من المجموعة.
وأظهرت النتائج المالية للنصف الأول من عام 2025 لشركة LVMH تراجعاً في إجمالي الإيرادات بنسبة 3% على أساس سنوي لتصل إلى 38.6 مليار يورو، وانخفاض الأرباح التشغيلية المتكررة بنسبة 4% إلى 8.691 مليارات يورو. كما واجه قطاع الأزياء والمنتجات الجلدية الأكثر ربحية ضغوطاً انخفضت معها المبيعات العضوية بنسبة 5%.
وتواجه "لوي فيتون" تحديات ملحوظة في السوق الصينية، وهو أمر حساس للغاية كونه يساهم بنحو ربع إيرادات المجموعة وما بين 60% إلى 70% من أرباحها.
ومع تباطؤ محركات الربحية الرئيسية، فرضت المجموعة إجراءات صارمة لضبط التكاليف منذ عام 2023. وفي ظل تخصيص الموارد للعلامات القيادية مثل Louis Vuitton وDior وCeline، يتضاءل هامش الصبر أمام العلامات الصغيرة ذات الإيرادات المحدودة مثل Patou.
وفي الوقت نفسه، اتجهت مجموعات فاخرة أخرى لنفس النهج؛ حيث أعادت مجموعة "كيرينغ" (Kering) التركيز على علامتي Gucci وBottega Veneta بعد تخليها عن قطاع التجميل الصاعد لصالح مجموعة لوريال. كما باعت مجموعة "ريشمونت" (Richemont) علامتي Shanghai Tang وLancel وأغلقت خط الأزياء AZ Factory لتصب تركيزها على الساعات والمجوهرات.
وعلى عكس نموذج العقد الماضي القائم على التوسع والتكتل، بات العمالقة يفضلون توجيه الموارد نحو العلامات الكبرى ذات الربحية العالية. وتجدر الإشارة إلى أن المشتري الجديد لدار "باتو"، ديليش ميهتا، يملك شركة Designer Parfums المتخصصة في ترخيص وتطوير العطور لشخصيات شهيرة مثل أريانا غراندي وجينيفر لوبيز، مما يمثل تحول الدار إلى مشغل متخصص بتمويل وإدارة أكثر كفاءة في ضبط التكاليف.

النقاش
0 تعليق