"ببسي" تتوسع نحو العناية بالجسم: ابتكار تسويقي أم مخاطرة؟
تخوض عملاقة المشروبات "ببسي" تجربة جديدة في قطاع مستحضرات العناية بالجسم بالتعاون مع Glamlite. تستعرض هذه المقالة الجدوى الاقتصادية والمخاطر التسويقية لتعاونات الأغذية والتجميل.
في إطار التوسع في فئات الاستهلاك التجاري، أطلقت مجموعة "ببسي" (Pepsi) العالمية بالتعاون مع علامة التجميل الأمريكية "Glamlite" مجموعتها الأولى المحدودة من مستحضرات العناية بالجسم في الأسواق الدولية. وتضم المجموعة منتجين رئيسيين: سائل الاستحمام بنكهة الكرز البري Pepsi Wild Cherry Body Wash ومقشر الجسم بعبق الفانيليا Pepsi Vanilla Float Body Scrub، بسعر 12 دولاراً أمريكياً للمنتج الواحد، حيث بدأ اختبار المبيعات عبر متجر TikTok Shop.
تُعد هذه الخطوة أول دخول لشركة "ببسي" في فئة العناية بالبشرة والجسم، وأحدث مثال على اقتحام عمالقة الأغذية والمشروبات لقطاع الجمال والعناية الشخصية، ما أثار نقاشاً واسعاً في القطاع.
وبالنظر إلى تجارب الماضي، تتنوع نتائج التعاون بين قطاعي الأغذية والتجميل بين النجاح الباهر والإخفاق التسويقي. فهل تنجح محاولة "ببسي" الأخيرة في تتويج هذا التداخل التجاري بنجاح مستدام تتجاوز به حد الضجة الإعلامية المؤقتة؟
إطلاق منتجين يجمعان بين التجربة العطرية والفوائد الأساسية للبشرة
تجمع المنتجات الجديدة بين التجربة العطرية والفوائد الأساسية للعناية بالبشرة. يُستوحى سائل الاستحمام Pepsi × Glamlite Wild Cherry من نكهة الكرز البري الشهيرة للمشروب، متيحاً عبق الكولا بالكرز المنعش. بينما يعتمد مقشر الجسم Pepsi × Glamlite Vanilla Float على نكهة الفانيليا، ليوفر تجربة تنظيف معطرة. وتم دعم التركيبة بمكونات معروفة في العناية بالبشرة مثل النياسيناميد (Niacinamide)، ومزيج أحماض الفواكه (AHA)، وزبدة الشيا، لضمان الجمع بين التجربة الحسية والفاعلية الوظيفية.
ولا تقتصر هذه الخطوة على كونها مجرد وضع شعار تجاري على منتج مصنع. إذ أوضحت جيزيل هرنانديز، المؤسسة لعلامة Glamlite، عبر منصات التواصل الاجتماعي أن هذا التعاون يمثل حلم خططت له على مدار خمس سنوات. وللوصول إلى محاكاة دقيقة للنكهات الأيقونية لمشروب ببسي، اختبر فريق البحث والتطوير أكثر من 300 عينة وأكثر من 3000 تركيب عطري قبل الاعتماد النهائي لنكهتي الكرز البري والفانيليا.
تعتمد علامة Glamlite نفسها على الاستلهام من عالم الأغذية منذ انطلاقتها. فعند تأسيسها عام 2017، اقتصرت على إنتاج مرايا مكياج صغيرة، حتى حققت الانتشار بفضل لوحة ظلال العيون المبتكرة على شكل "بيتزا"، حيث أُطلقت أسماء مكونات البيتزا على درجات الألوان البالغ عددها 18 درجة، مثل "صلصة مارينارا" و"البصل الأحمر" و"الأناناس".
ومنذ ذلك الحين، واصلت Glamlite إطلاق مجموعات مكياج مشتركة واعتمدت استراتيجية النكهات والروائح المأكولة في منتجات التجميل، مما مكنها من تحقيق مبيعات شهرية تجاوزت 1.1 مليون دولار عبر منصة TikTok، في مثال ناجح على التجارة الاجتماعية. وتلتزم العلامة بمعايير المنتجات النباتية الخالية من القسوة ضد الحيوانات (Cruelty-Free)، كما وسعت خطوط منتجاتها لتشمل العناية بالبشرة.
ويعكس اختيار ببسي للتعاون مع Glamlite رغبتها في الاستفادة من خبرة الأخيرة الممتدة في تحويل المفاهيم الغذائية إلى مستحضرات تجميلية، إلى جانب قدراتها القوية في التسويق عبر المحتوى.
التداخل بين الأغذية والتجميل: ثلاثة دوافع استراتيجية
لم يعد التعاون بين الأغذية والجمال أمراً جديداً. وبتحليل أبرز الحالات في الأسواق العالمية، يمكن استخلاص ثلاثة دوافع استراتيجية رئيسية تحرك هذه الشراكات:
- ابتكار العطور الغريبة: تحويل الروائح الأكثر تميزاً للأغذية إلى تجارب عطرية في العناية الشخصية. تُعد سلسلة مطاعم KFC من أبرز الأمثلة في هذا الاتجاه؛ ففي عام 2023 أطلقت KFC في إسبانيا عطر Eau D'uardo المستوحى من 11 عشباً وتابلاً في وصفتها الشهيرة للحيوانات والطيور المطهوة، وجاءت العبوة على شكل فخذ دجاج في إصدار محدود من 25 ألف زجاجة نَفِدت سريعاً. كما أطلقت سابقاً واقيات شمس وطلاء أظافر برائحة الدجاج. وفي السياق نفسه، طرحت Burger King عطراً برائحة الشواء، بينما تعاونت Pizza Hut لتطوير عطر برائحة فاكهة الدوريان. وتعتمد هذه المنتجات على إثارة الفضول وإنشاء زخم على الشبكات الاجتماعية دون الاستهداف للبيع طويل الأجل.
-
نقل المكونات المبتكرة: استغلال المستخلصات الطبيعية من الأغذية كعناصر فعالة في العناية بالبشرة. أطلقت Nestlé خط العناية بالبشرة Nescafé Skin Care بالاعتماد على خلاصة القهوة كعنصر رئيسي. وطرحت Heineken مستحضراً خفيفاً للبشرة مشتقاً من المكونات الطبيعية للبيرة. وتظل العلامة التجارية الفاخرة SK-II المثال الأبرز من خلال استخلاص مركب Pitera من خميرة الأرز. وتعتمد هذه الاستراتيجية على القيمة الوظيفية الحقيقية للمكونات الغذائية ودعمها بالأدلة العلمية.
-
استغلال رمزية العلامة الهوية البصرية: نقل الهوية البصرية والقيمة العاطفية لعلامات الأغذية إلى منتجات التجميل. ففي عام 2018، تعاونت علامة الحلوى الصينية الشهيرة White Rabbit مع Maxam لإطلاق مرطب شفاه بنكهة الحليب، ونَفِدت الدفعة الأولى فور طرحها. وتكررت التجربة في التعاون بين Want Want وChando لإطلاق كريم أساس إسفنجي، وكذلك المجموعات المشتركة بين Perfect Diary وOreo، وEtude House مع Hershey's، وINTO YOU مع Coca-Cola. ويعتمد نجاح هذا النموذج على قدرة العلامة الغذائية على جذب الانتباه، وقدرة علامة التجميل على كسب ثقة المستهلك في جودة المنتج.
ويجمع التعاون الحالي بين ببسي وGlamlite بين "ابتكار العطور الغريبة" و"استغلال القوة البصرية للعلامة التجارية". ويبقى السؤال قائماً حول ما إذا كان سائل الاستحمام الجديد سيحقق استدامة تجارية، حيث يتوقف ذلك على جودة المنتج ورغبة المستهلكين في إعادة الشراء بعد انتهاء الزخم الأولي.
ما بين الزخم الفيروسي والمخاطرة التجارية
تأتي التعاونات المتقاطعة بين الأغذية والتجميل بفوائد واضحة؛ أولها جذب التفاعل والمبيعات السريعة بفضل القيمة الخبرية. فعند الإعلان عن سائل استحمام ببسي، انقسمت الآراء عبر المنصات الرقمية بين متحمس للمنتج وساخر من التجربة، مما أوجد دعاية مجانية واسعة. وثانياً، خفض تكلفة اكتساب العملاء من خلال الاستفادة من القاعدة الجماهيرية العريضة لعلامات الأغذية. وثالثاً، فتح أسواق جديدة؛ حيث تشير بيانات شركة أبحاث السوق Circana إلى أن مستحضرات التجميل المستوحاة من الأغذية شكلت نحو 3.5% من إجمالي مبيعات القطاع بحلول عام 2025، وهي نسبة تمثل عوائد مالية ملحوظة للشركات الكبرى.
ومع ذلك، تظل المخاطر قائمة. فعلى سبيل المثال، أطلقت علامة Cheetos التابعة لببسي سابقاً مرطب شفاه بنكهة الجبن والمشويات، غير أن الغرابة الشديدة في الرائحة واللون البرتقالي الفاقع أدت إلى فشل التجربة وانتقادات واسعة.
ومن إخفاق مرطب شفاه Cheetos، يمكن استخلاص دروس استراتيجية مهمة:
- فهم متطلبات الجمهور: لا يمكن افتراض تطابق اهتمامات مستهلكي الأغذية مع رغبات مستخدمي التجميل.
- تقديم قيمة فعلية: الوظيفة الأساسية لمرطب الشفاه هي الترطيب، وعندما تطغى السمة الترفيهية على الفعالية الوظيفية تفقد السلعة قيمتها الأساسية. وكما هو الحال في الاستراتيجيات المعقدة للتوسع في فئات مستحضرات التجميل، فإن التحدي الأكبر يكمن في الحفاظ على ثقة المستهلك وتجنب الفشل السريع الناتج عن الاعتماد الشكلي على الزخم التسويقي.
- عدم التضحية بالجودة: تجذب الفكرة المبتكرة المشتري للمرة الأولى، ولكن جودة التركيبة والوفاء بالوعود الوظيفية هما ما يضمنان تكرار الشراء.
تعد تجربة ببسي مؤشراً مهماً للعلامات التجارية الراغبة في التوسع عبر الفئات. وإن المفتاح الأساسي لتطوير المبيعات لا يقتصر على الابتكار الشكلي، بل يمتد إلى اختيار القنوات المناسبة والتفاعل الحقيقي مع المستهلكين. فالتحدي في التعاون بين الأغذية والتجميل لا يتعلق بفكرة التداخل بحد ذاتها، بل بأسلوب التنفيذ والقدرة على تقديم قيمة مضافة مستدامة.







النقاش
0 تعليق