8 سبتمبر، 2026

بيرفكت ديري تتوسع في سيفورا الصين: رهان مشترك لمواجهة تحديات السوق

تسعى علامة "بيرفكت ديري" لتعزيز حضورها في 300 متجر لسيفورا بالصين، في خطوة تهدف لخفض تكاليف التسويق الرقمي وإنقاذ سيفورا من تراجع مبيعاتها المستمر.

سناء
بقلم سناء
قراءة 1 دقيقة
بيرفكت ديري تتوسع في سيفورا الصين: رهان مشترك لمواجهة تحديات السوق

من مجرد علامة تجارية واحدة بين 11 علامة أخرى إلى شريك استراتيجي رئيسي، تعزز علامة التجميل الصينية "بيرفكت ديري" (Perfect Diary) حضورها على رفوف "سيفورا" (Sephora) في الصين. خطوة تعكس حاجة الطرفين المتبادلة، لكنها لا تخلو من التحديات المعقدة.

أعلنت مجموعة "ياتسن" (Yatsen Holding)، الشركة الأم لعلامة "بيرفكت ديري"، مؤخراً عن دخول علامتها التجارية الرائدة رسمياً إلى قنوات "سيفورا" في الصين. ووفقاً للبيانات الرسمية، ستطرح العلامة مجموعة من منتجاتها الفاخرة القائمة على الأبحاث العلمية في نحو 300 متجر لسيفورا، لتغطي مدناً كبرى مثل بكين، وشنغهاي، وغوانغتشو، وشينزين.

ليست هذه المرة الأولى التي تظهر فيها منتجات "بيرفكت ديري" على رفوف سيفورا. ففي أبريل 2026، أعلنت سيفورا عن إدراج 11 علامة تجارية صينية لمستحضرات التجميل دفعة واحدة، من بينها "فلوراسيس" (Florasis) و"بيرفكت ديري" و"جوديدول" (Judydoll). ومع ذلك، فإن الإعلان الأخير يمثل ترقية نوعية للتعاون من مجرد "تواجد جماعي" إلى "شراكة استراتيجية عميقة"، لتصبح "بيرفكت ديري" إحدى العلامات المحلية الأساسية في محفظة سيفورا.

استغرق هذا التحول من "علامة عادية" إلى "شريك استراتيجي" أقل من ثلاثة أشهر. وخلف هذا التسارع تكمن حسابات دقيقة ومصالح مشتركة بين مجموعة "ياتسن" وسيفورا.

مأزق ياتسن: إنفاق هائل على البحث والتطوير وعجز عن التخلص من تكاليف التسويق

تأسست مجموعة "ياتسن" في عام 2016، وأطلقت علامتها الشهيرة "بيرفكت ديري" في عام 2017، والتي نجحت خلال ثلاث سنوات فقط في تصدر مبيعات المكياج عبر الإنترنت في الصين. ولكن بعد مرور عقد من الزمن، تواجه الشركة مرحلة انتقالية صعبة.

وفقاً لتقارير المجموعة، استثمرت الشركة أكثر من 700 مليون يوان (حوالي 96 مليون دولار) منذ عام 2020 في مجالات البحث والتطوير، لتأسيس نظام بحثي مستقل يغطي الصين وأوروبا. وفي الربع الأول من عام 2026، بلغ الإنفاق على البحث والتطوير 39.44 مليون يوان، بزيادة قدرها 74.2% على أساس سنوي.

وقد بدأت هذه الاستثمارات تنعكس على جودة المنتجات؛ حيث يتميز أحمر الشفاه بالجيل الثالث من "غشاء المحاكاة الحيوية" (Bionic Film) الذي يُعرض حالياً في سيفورا بتركيبة مبتكرة حاصلة على براءة اختراع، أثبتت الاختبارات السريرية قدرتها على تقليل تجاعيد الشفاه بنسبة 49.08% في يوم واحد. كما تعتمد بودرة تثبيت المكياج المقاومة للزيوت على تقنية المواد الذكية "Smartlock™" المطورة بالتعاون مع معهد شنغهاي للسيراميك التابع للأكاديمية الصينية للعلوم.

لكن الجانب الآخر من الأرقام يكشف عن تحدٍ كبير: فرغم نمو الإيرادات، تتسع رقعة الخسائر. ووفقاً للتقرير المالي للربع الأول من عام 2026، بلغت الإيرادات الصافية للمجموعة 1.02 مليار يوان، بزيادة 22.5% على أساس سنوي، محققة نمواً للموسم السادس على التوالي. ومع ذلك، سجلت الشركة صافي خسارة بقيمة 61.93 مليون يوان، مقارنة بخسارة بلغت 5.6 مليون يوان في نفس الفترة من العام السابق. ويعود السبب الرئيسي لتفاقم الخسائر إلى ارتفاع مصاريف البيع والتسويق التي بلغت 737 مليون يوان في ربع واحد، مستحوذة على 72.2% من إجمالي الإيرادات.

وفي الوقت نفسه، تحول التدفق النقدي التشغيلي للشركة إلى السالب بنحو 90 مليون يوان، وتراجعت الاحتياطيات النقدية. وأوضحت المجموعة أن هذا الارتفاع في تكاليف التسويق يعود إلى الاستثمار في بناء هوية العلامة التجارية على المدى الطويل، إلى جانب الارتفاع المستمر في تكلفة جذب العملاء عبر منصات التجارة الإلكترونية الصينية.

بين استمرار الإنفاق على الابتكار وتصاعد تكاليف التسويق الرقمي، تحتاج "ياتسن" بشدة إلى قنوات توزيع جديدة تضمن لها إبراز جودة منتجاتها دون تحمل تكاليف باهظة لكل ظهور رقمي. وهنا تأتي "سيفورا" كحل مثالي يتيح بناء ثقة طويلة الأمد مع المستهلكين على أرض الواقع.

وأشار هوانغ جين فنغ، المؤسس والرئيس التنفيذي لمجموعة "ياتسن"، إلى أن "هذا التعاون يثبت نجاح استراتيجيتنا للتحول نحو المنتجات الفاخرة القائمة على الابتكار العلمي". فبالنسبة للمجموعة، لا يمثل التواجد على رفوف سيفورا مجرد منفذ بيع إضافي، بل هو بمثابة "شهادة اعتماد رسمية" لقيمة العلامة التجارية وقدرتها التنافسية.

تحول سيفورا: خسائر متتالية والبحث عن طوق نجاة محلي

إذا كان تحول مجموعة "ياتسن" مدفوعاً برغبة ذاتية للتطوير، فإن تحول "سيفورا الصين" جاء تحت ضغط الظروف الصعبة.

تشير البيانات إلى أن سيفورا الصين سجلت خسائر متراكمة بلغت حوالي 1.48 مليار يوان (نحو 203 ملايين دولار) بين عامي 2022 و2025. وفي عام 2024 وحده، تجاوزت خسائر فرعي سيفورا في شنغهاي وبكين 600 مليون يوان، وتقلص عدد المتاجر من ذروته البالغة 370 متجراً إلى نحو 330 متجراً.

والأكثر إثارة للقلق هو تراجع الإيرادات بنسبة 40% لتصل إلى 6.54 مليار يوان بعد أن كانت قد بلغت ذروتها عند 10.88 مليار يوان. سيفورا، التي كانت يوماً ما العلامة الأبرز التي تتنافس مراكز التسوق الكبرى لجذبها، باتت تغلق فروعها في المواقع الحيوية بالمدن الكبرى، بعد أن فقدت ميزتي "الحصرية" و"تجربة العميل الفريدة" اللتين طالما تميزت بهما.

في ظل هذه الأزمة، اتجهت سيفورا الصين نحو "استراتيجية المنتجات المحلية" في تجارة التجزئة، مستهدفة جذب المتسوقين عبر علامات تجارية صينية تتميز بأسعارها التنافسية وإقبال المستهلكين عليها، مع الحفاظ على طابعها الراقي من خلال العلامات العالمية الكبرى. وفي عام 2025، أدرجت سيفورا 6 علامات تجارية صينية نشأت عبر الإنترنت، مثل "بافي" (Babi). وتسارعت هذه الخطوات في أبريل 2026 بإدخال 11 علامة محلية أخرى. ووفقاً لتقارير إعلامية، يصل عدد العلامات الصينية في سيفورا حالياً إلى 23 علامة، تم إدراج 20 منها خلال السنوات الثلاث الماضية.

وتعد "بيرفكت ديري" أحدث المنضمين لهذه الاستراتيجية. لكن هذا التوجه يطرح تساؤلاً جوهرياً: كيف يمكن لـ "سيفورا" الحفاظ على هويتها الفاخرة كمنصة للمستحضرات العالمية المستوردة وهي تفتح أبوابها على مصراعيها لمنتجات محلية اقتصادية؟ إن عرض مكياج محلي بأسعار منخفضة بجانب علامات تجارية عالمية فاخرة قد يربك الصورة الذهنية الراقية التي رسمتها سيفورا في أذهان المستهلكين.

تجربة قائمة على المصالح المشتركة

يمثل هذا التعاون المعزز في جوهره شراكة قائمة على المنفعة المتبادلة؛ حيث تحتاج مجموعة "ياتسن" إلى المكانة المرموقة لقنوات سيفورا لدعم سرديتها حول "التجميل القائم على التكنولوجيا"، وتقليل الاعتماد على الإعلانات الرقمية المكلفة، ورفع قيمة علامتها التجارية. وفي المقابل، تحتاج سيفورا الصين إلى القاعدة الجماهيرية الشابة لعلامة "بيرفكت ديري" وقدرتها على جذب المستهلكين لإنعاش حركة الإقبال المتراجعة في متاجرها.

ومع ذلك، تظل هناك شكوك حول قدرة هذا التعاون على تحقيق نجاح مستدام للطرفين.

بالنسبة لمجموعة "ياتسن"، لا يزال من غير المؤكد ما إذا كان رواد متاجر سيفورا مستعدين لدفع أسعار أعلى مقابل مكياج صيني محلي. فالعلامة التي اشتهرت بتقديم "قيمة ممتازة مقابل السعر" عبر الإنترنت تواجه تحدياً حقيقياً في تحديد استراتيجية التسعير داخل سيفورا بما يتوافق مع هيكل أسعارها الأصلي.

أما بالنسبة لسيفورا، فليس هناك ما يضمن أن الاعتماد على المنتجات المحلية سينهي سلسلة خسائرها. ورغم تصريحات الإدارة بأن سيفورا تبحث دائماً عن العلامات التي تلبي تطلعات المستهلكين وتتوافق مع قيم المنصة، فإن الأسواق المالية تنتظر نتائج ملموسة. وقد أشارت مجموعة "LVMH" (المالكة لسيفورا) في تقريرها للربع الأول من عام 2026 إلى استقرار أداء سيفورا في آسيا والصين بعد فترات من التراجع، وهو ما يعد إشارة إيجابية تعكس مدى صعوبة المرحلة السابقة.

"اختبار القنوات" أمام مستحضرات التجميل الصينية

يعكس توسع "بيرفكت ديري" في متاجر سيفورا توجهاً أوسع في صناعة الجمال الصينية، وهو الانتقال من مرحلة "النمو السريع عبر الإنترنت" إلى "بناء الثقة عبر منافذ البيع التقليدية".

ووفقاً لبيانات مؤسسة "Frost & Sullivan"، ارتفعت حصة العلامات التجارية المحلية في سوق التجميل الصيني من 43% في عام 2015 إلى 57% في عام 2024. لكن زيادة الحصة السوقية ليست سوى خطوة أولى؛ إذ يكمن التحدي الحقيقي القادم في كيفية بناء قيمة مضافة تبرر الأسعار المرتفعة، ودخول قنوات التوزيع الفاخرة، ومنافسة العلامات التجارية العالمية الكبرى على قدم المساواة.

لقد أصبحت رفوف سيفورا بمثابة "قاعة اختبار" حقيقية لمستحضرات التجميل الصينية. ولن تكون "بيرفكت ديري" المتسابق الأول ولا الأخير في هذا المضمار، لكن هذا الاختبار يحمل أهمية استثنائية لمجموعة "ياتسن"؛ فهو ليس مجرد تقييم لجودة منتجاتها، بل خطوة حاسمة في مسيرتها للتحول من "قصة تسويقية رقمية" إلى "علامة تجارية قائمة على الابتكار العلمي".

ومع انتشار منتجات العلامة على رفوف 300 متجر لسيفورا، فإن الاختبار الحقيقي قد بدأ للتو.

النقاش

0 تعليق

إضافة تعليق

انضم إلى النقاش

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *

التحقق الأمني

أكمل التحقق قبل نشر تعليقك.