عملاق مستحضرات التجميل الياباني Mandom يشطب أسهمه ويتجه نحو الخصخصة
بعد صفقة استحواذ بقيمة 5.9 مليار يوان، شركة Mandom اليابانية تنسحب من البورصة لمواجهة تراجع مبيعات مستحضرات التجميل اليابانية في السوق الصينية.
صفقة بيع بقيمة 5.9 مليار يوان صيني (حوالي 815 مليون دولار أمريكي)؛ فهل كان قرار الخصخصة وإلغاء الإدراج خياراً صعباً فرضته الظروف؟
بعد إتمام نقل ملكية أسهم شركة FineToday (التي انفصلت سابقاً عن قسم العناية الشخصية في مجموعة شيسيدو Shiseido)، أكملت شركة Mandom، وهي عملاق آخر في قطاع التجميل الياباني يمتد تاريخه لنحو قرن، عملية الاندماج والخصخصة لتنسحب رسمياً من البورصة. لطالما تنافست هاتان الشركتان بقوة ضمن الفئة الثانية من قطاع التجميل الياباني.
وفي النصف الأول من هذا العام، وبحسب تقارير إعلامية ووثائق رسمية، أتمت الشركة اليابانية الشهيرة لمستحضرات التجميل Mandom عملية الاندماج والخصخصة والشطب من البورصة.
وبموجب هذه الصفقة، أصبحت الشركة تابعة بالكامل لشركة Kalon Holdings المملوكة لمؤسسة الاستثمار المباشر CVC Capital Partners. وسيتولى فريق الإدارة الأصلي مواصلة تشغيل الشركة، بينما أعادت عائلة نيشيمورا (Nishimura) المؤسسة الاستثمار عبر منصة قابضة للاحتفاظ بحصتها.
الجدير بالذكر أن Mandom كانت تحتل المرتبة الخامسة بين شركات التجميل اليابانية المدرجة في البورصة قبل شطبها، لتأتي مباشرة بعد العمالقة الأربعة الكبار: Shiseido وKao وKose وPOLA ORBIS.
صفقة بمليارات الين! الاستحواذ على الشركة اليابانية الرائدة في العناية بالرجال
تأسست Mandom عام 1927 في أوساكا، وتعد واحدة من أبرز مجموعات العناية الشخصية في آسيا والشركة الرائدة في قطاع مستحضرات التجميل الرجالية في اليابان. تركز الشركة على منتجات العناية بالبشرة، والشعر، والتصفيف، والعطور، وتضم محفظتها علامات تجارية شهيرة مثل GATSBY للعناية بالرجال، وBifesta لإزالة المكياج والعناية بالبشرة، وPIXY للمكياج الاقتصادي، وLúcido للعناية ببشرة الرجال.
تتوزع أعمال المجموعة على ثلاثة قطاعات رئيسية: السوق المحلية في اليابان، وإندونيسيا، والأسواق الدولية الأخرى، وتغطي منتجاتها 12 دولة ومنطقة تشمل جنوب شرق آسيا، وأوروبا، والأمريكتين، وأفريقيا. وتمثل المبيعات الخارجية ما يقرب من 50% من إجمالي إيراداتها. وتشير البيانات إلى أن حصة Mandom في سوق مستحضرات التجميل الرجالية في اليابان تبلغ 25.7%، محتلة المرتبة الأولى، في حين تصل حصتها في فئات تصفيف الشعر للرجال (مثل واكس وجل الشعر) إلى 55%.
تظهر التقارير المالية لشركة Mandom زيادة تدريجية في الإيرادات السنوية بين عامي 2023 و2026، مما يشير إلى توسع مستقر في حجم الأعمال، إلا أن معدل النمو شهد تباطؤاً مستمراً، مما يعكس ضغوطاً متزايدة في الأسواق المحلية والخارجية.
أما على مستوى الأرباح، فقد شهدت تقلبات حادة؛ حيث ارتفعت الأرباح بشكل مطرد في العامين الماليين 2023 و2024، لكنها تراجعت بنحو النصف في العام المالي 2025 نتيجة لارتفاع التكاليف والتحديات في الأسواق الخارجية، قبل أن تتعافى بقوة في العام المالي 2026.
في ظل هذه الظروف، أصبحت Mandom هدفاً نادراً لـعمليات الاستحواذ والخصخصة في قطاع العناية الشخصية الياباني. وفي سبتمبر 2025، بدأت عملية الخصخصة رسمياً من خلال عرض استحواذ إداري (MBO) قادته مؤسسة CVC بالتعاون مع إدارة الشركة وعائلة نيشيمورا المؤسسة. بدأ العرض بسعر 2520 ين للسهم، لكنه واجه معارضة من المساهمين المؤسسيين الذين اعتبروا التقييم منخفضاً للغاية.
مستفيدة من القوانين اليابانية التي تسمح لأطراف خارجية بتقديم عروض منافسة، دخلت مؤسسة KKR الاستثمارية على الخط في أواخر عام 2025 وأوائل عام 2026، مقدمة عرضاً مضاداً بسعر 3100 ين للسهم، مما أشعل منافسة حامية مع CVC.
ولحسم الصفقة، رفعت CVC عرضها ثلاث مرات ليصل إلى 3105 ين للسهم (حوالي 129.89 يوان صيني)، متجاوزة عرض KKR بفارق ضئيل. وبعد تقييم شامل من اللجنة الخاصة لمجلس الإدارة المستقل، تم اختيار عرض CVC نظراً لخطتها الأكثر استقراراً للتوسع في أسواق جنوب شرق آسيا.
وبناءً على السعر النهائي البالغ 3105 ين للسهم وإجمالي أسهم الشركة، بلغت قيمة الاستحواذ النقدي على الأسهم بالكامل نحو 140 مليار ين (حوالي 5.856 مليار يوان صيني)، ومع إضافة المعاملات العقارية المصاحبة، بلغت القيمة الإجمالية للصفقة حوالي 141 مليار ين (نحو 5.898 مليار يوان صيني).
وفي فبراير 2026، أكملت شركة Kalon Holdings التابعة لـ CVC عرض الاستحواذ وحصلت على أكثر من 70% من حقوق التصويت، وتمت تسوية الأموال في مارس. ولاحقاً، أقرت الشركة قرارات خفض رأس المال وتعديل النظام الأساسي لتسهيل إلغاء الإدراج، لتشطب رسمياً من بورصة طوكيو في مايو 2026. وبحلول يوليو 2026، اكتملت كافة إجراءات الخصخصة لتتحول Mandom من شركة مساهمة عامة مدرجة إلى شركة خاصة مغلقة.
تراجع مستمر لمستحضرات التجميل اليابانية في الصين وضغوط متراكمة
في سياق التراجع العام الذي يشهده قطاع التجميل الياباني، فإن قرار الخصخصة والتنازل عن الأسهم لصالح رأس مال خارجي يمثل خياراً صعباً ومحتوماً لهذه الشركة العائلية العريقة.
ففي السنوات الأخيرة، اتخذت العديد من شركات التجميل اليابانية خطوات تراجعية شملت إغلاق المتاجر، وتصفية الشركات التابعة، وبيع الأصول، وسحب العلامات التجارية من الأسواق.
وتسارعت وتيرة هذه التعديلات الهيكلية بين عامي 2024 و2026، حيث شهدت هذه الفترة موجة انسحاب جماعي لشركات يابانية كبرى مثل Shiseido، وKao، وPOLA ORBIS، وI-ne، وRohto Pharmaceutical، وMTG، وFancl، وMenard.
وكانت مجموعة شيسيدو (Shiseido) الأكثر نشاطاً في هذا الصدد؛ فبعد فصل علامتي Za وPure&Mild الموجهتين للجمهور العام في عام 2022، أغلقت علامة BAUM في الصين عام 2024 وبدأت جولة تسريح للموظفين، وصولاً إلى تصفية كيانها الإنتاجي في مقاطعة غوانغدونغ عام 2026 وعرض حصتها في الشركة الأم لعلامة Aupres للبيع، بهدف التخلص من الأصول الثقيلة غير الأساسية.
تماشياً مع خطتها الإصلاحية الثلاثية "K27" التي تركز على "الاختيار والتركيز"، واصلت مجموعة كاو (Kao) تقليص محفظة علاماتها التجارية؛ حيث أغلقت علامة المكياج الشهيرة AUBE التي يمتد تاريخها لثلاثين عاماً، وعلامة المكياج المتوسطة إلى الفاخرة COFFRET D’OR، وعلامة العناية بالبشرة الفاخرة EST، كما أوقفت إنتاج خطوط منتجات أخرى مثل Freshel وBlanchir وSALA بسبب ضعف نموها وتداخل فئاتها المستهدفة.
وفي الوقت نفسه، قلصت المجموعة قنوات البيع المباشر عبر الإنترنت لعلامة KATE في البر الرئيسي للصين، ووجهت مواردها نحو العلامات التجارية ذات المزايا التنافسية القوية مثل Curel وSENSAI وMolton Brown لتحسين العائد على رأس المال.
بالإضافة إلى ذلك، قامت شركات POLA وI-ne وMTG بتصفية شركاتها التابعة بالكامل في الصين وإنهاء عملياتها المستقلة هناك، في حين انسحبت علامات مثل Boscia التابعة لـ Fancl وMenard تماماً من السوق الصينية.
وتعليقاً على ذلك، صرح أحد خبراء القطاع قائلاً: "تتميز العلامات التجارية اليابانية بصرامة عمليات البحث والتطوير ومعايير جودة المنتجات العالية، لكن دورة التطوير والتحديث لديها بطيئة للغاية. نادراً ما تلجأ هذه الشركات إلى الابتكارات السطحية في التعبئة والتغليف أو المفاهيم التسويقية، وتعتمد بدلاً من ذلك على جودة المنتج الصلبة التي تمنحها دورة حياة أطول. ومع ذلك، فإن هذا البطء هو السبب الرئيسي وراء تراجعها الحالي؛ إذ تفتقر فرق الإدارة الداخلية إلى المرونة والسرعة في الاستجابة لاتجاهات السوق المتغيرة بسرعة، مما جعل العديد من المنتجات الكلاسيكية تفقد جاذبيتها أمام الأجيال الجديدة من المستهلكين."
وبحسب تحليلات منصة "China Cosmetics"، يعود هذا التراجع إلى أربعة عوامل رئيسية:
أولاً: صعود العلامات التجارية المحلية الصينية (C-Beauty) واكتساحها لحصة السوق. في السابق، نجحت المنتجات اليابانية في السيطرة على قطاعي العناية بالبشرة والمكياج بفضل تركيباتها المتطورة وأسعارها المناسبة. لكن في السنوات الخمس الأخيرة، تمكنت العلامات التجارية الصينية المحلية من التفوق عليها مستفيدة من سلاسل التوريد المحلية المرنة، وقنوات البث المباشر ومقاطع الفيديو القصيرة على منصات مثل Douyin (النسخة الصينية من TikTok)، والتركيز على الفعالية والمكونات التي تناسب بشرة المستهلك الصيني بدقة، مما مكنها من جذب شريحة واسعة من عملاء المنتجات اليابانية الاقتصادية.
ثانياً: عدم التكيف مع قنوات البيع ومنظومة التجارة الإلكترونية الصينية. تتسم سلاسل اتخاذ القرار في الشركات اليابانية بالبطء الشديد، مما جعل استجابتها متأخرة لآليات التجارة الإلكترونية الحديثة في الصين مثل البث المباشر والتسوق الفوري. واضطرت العديد من العلامات إلى إغلاق متاجرها الرسمية على منصات التجارة الإلكترونية الصينية الكبرى مثل Tmall التابعة لـ Alibaba وJD.com، والتخلي عن منافذ البيع التقليدية والتحول إلى نموذج التجارة العابرة للحدود لتقليل التكاليف التشغيلية المرتفعة وتجنب الخسائر.
ثالثاً: ضعف ملاءمة المنتجات للسوق المحلية. تُطور معظم التركيبات وخطوط الإنتاج اليابانية خصيصاً للمستهلك المحلي في اليابان، وتتسم بالبطء في التكيف مع احتياجات المستهلكين الصينيين. وفي المقابل، ركزت العلامات الصينية على تلبية الاحتياجات الملحة مثل تفتيح البشرة، وإصلاح البشرة الحساسة، ومكافحة الشيخوخة الفعالة، مما جعل الخطاب التسويقي للعلامات اليابانية يبدو قديماً ومستهلكاً. ومع تحول المستهلكين نحو التركيز على المكونات والفعالية، تراجعت جاذبية المنتجات اليابانية التقليدية، خاصة مع ارتفاع أسعارها نتيجة الرسوم الجمركية وتقلبات أسعار الصرف.
رابعاً: ضغوط التكلفة والربحية التي تفرض الانكماش. أدى ارتفاع تكاليف المواد الخام، والإيجارات، والعمالة إلى تقليص هوامش أرباح مستحضرات التجميل المستوردة من اليابان، مما أجبر الشركات على تقليص حضورها الاستراتيجي.
بشكل عام، لا يعد تراجع مستحضرات التجميل اليابانية في الصين مجرد تذبذب مؤقت في السوق، بل هو نتيجة لتضافر عوامل طويلة الأجل تشمل المنافسة الشديدة، وتغير قنوات التوزيع، ومدى ملاءمة المنتجات، وهيكل التكاليف، وتغير وعي المستهلكين.
ويمثل شطب شركة Mandom لأسهمها واتجاهها نحو الخصخصة تجسيداً حقيقياً لمرحلة التحول الجماعي التي تمر بها صناعة التجميل اليابانية. ورغم أن الخصخصة تمنح الشركة مرونة أكبر بعيداً عن ضغوط الأداء المالي قصير الأجل في البورصة، إلا أن تحديات تباطؤ نمو الإيرادات وصعوبة التوسع في القنوات الخارجية تظل عقبات قائمة في المستقبل.






النقاش
0 تعليق