23 أغسطس، 2026

ما الذي يدفع عمالقة الاستثمار للتركيز على المواد الخام لمستحضرات التجميل؟

يتجه رأس المال الجريء في الصين نحو قطاع المواد الخام لمستحضرات التجميل، مدفوعاً بالابتكار التكنولوجي مثل الببتيدات ذاتية التجميع والتنظيمات الجديدة.

كينغ وين
بقلم كينغ وين
قراءة 1 دقيقة
ما الذي يدفع عمالقة الاستثمار للتركيز على المواد الخام لمستحضرات التجميل؟

أصبح قطاع المنبع (المواد الخام) ساحة المعركة الرئيسية، حيث تعيد شركات المواد الخام التجميلية الصينية صياغة نفوذها وقدرتها التنافسية في هذه الصناعة العالمية.

في عام 2026، تشهد تدفقات رأس المال في صناعة التجميل تحولاً جذرياً.

ومع تراجع جاذبية استراتيجيات التسويق التقليدية وجذب المتابعين للعلامات التجارية، برز قطاع المواد الخام في المنبع كوجهة نهائية لرأس المال الجريء. وباتت مفاهيم مثل البيولوجيا التخليقية، والتطوير المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والمواد الخام المتخصصة الراقية — وهي مجالات كانت حكراً على قطاعي الأدوية والتكنولوجيا العميقة — تعيد تشكيل خريطة القوة في صناعة التجميل.

وفي خضم هذه الموجة، جذب قطاع واعد وصغير اهتماماً استثنائياً: المواد الخام التجميلية القائمة على "الببتيدات القصيرة ذاتية التجميع" (self-assembling short peptides). ويقود الرهان على هذا القطاع أحد أبرز رواد الاستثمار الجريء في الصين، وهو لي وي (Li Wei)، الشريك المؤسس لشركة "سونغهي كابيتال" (Songhe Capital). وتستثمر شركته بقوة في شركة ناشئة تدعى "زيتاي بيو-كرييشن" (Zhitai Bio-creation)، والتي لم يتجاوز عمرها أربع سنوات، لكنها نجحت بالفعل في إتمام ثلاث جولات تمويلية وتسجيل مادتين خام مبتكرتين.

لماذا يقرر مستثمر مخضرم — قاد نجاحات كبرى لشركات عملاقة مثل "دي جي آي" (DJI) للطائرات المسيرة ومجموعة "بي جي آي" (BGI) للجينوم — الاستثمار بكثافة في شركة للمواد الخام التجميلية؟ وما الذي يبحث عنه رأس المال في هذا القطاع؟

ثلاث جولات تمويلية في أربع سنوات: رائد الببتيدات ذاتية التجميع في الصين

تأسست شركة "زيتاي بيو-كرييشن" (Zhitai Bio-creation) في شنتشن في سبتمبر 2022، حيث يشغل لي وي منصب الممثل القانوني لها. بينما تأسست شركة تابعة لها في مدينة تشانغتشو في يناير 2023 لتكون الذراع الإنتاجية المملوكة بالكامل، والمسؤولة عن التصنيع التجاري والإنتاج واسع النطاق وجزء من الأبحاث والتطوير.

للوهلة الأولى، قد يبدو نشاط الشركة المتمثل في تطوير المواد الخام التجميلية وإطلاق علامتها التجارية للعناية بالبشرة "Meixuejia" مجرد عمل اعتيادي لإنتاج مكونات العناية بالبشرة الفعالة. لكن نظرة أعمق على قدراتها التقنية تكشف عن تميز استثنائي.

تعتمد التقنية الأساسية لشركة "زيتاي بيو-كرييشن" على "الببتيدات القصيرة ذاتية التجميع". وهي عبارة عن ببتيدات صغيرة تتكون من 2 إلى 20 حمضاً أمينياً، وتتميز بقدرتها على تشكيل هياكل نانوية منظمة تلقائياً دون الحاجة لمعالجة خارجية، وذلك بالاعتماد فقط على التفاعلات الجزيئية. وبتعبير أبسط: تعمل هذه الجزيئات كقطع البناء؛ فعند تطبيقها على البشرة، تقوم تلقائياً بإنشاء "سقالة" حيوية تحفز الخلايا وتوفر دعماً فيزيائياً للبشرة، مما يحقق تجديد الخلايا، ومكافحة الشيخوخة طويلة الأمد، وتوصيل المكونات النشطة بفعالية.

تم اكتشاف هذه التقنية لأول مرة من قبل الأكاديمي تشانغ شو غوانغ في أواخر القرن العشرين، وتطورت على مدى عقدين في مجالات الطب التجديدي وتوصيل الأدوية. وتعد "زيتاي بيو-كرييشن" أول شركة صينية تطبق هذه التقنية المتقدمة في قطاع مستحضرات التجميل.

في 18 أكتوبر 2023، أكملت الشركة تسجيل مادتها الخام الأبرز "أسيتيل أوكتاببتيد-1" لدى الهيئة الوطنية الصينية لتنظيم المنتجات الطبية (NMPA)، لتصبح أول مادة خام تجميلية من الببتيدات القصيرة ذاتية التجميع في الصين. وفي 30 أبريل 2025، تم تسجيل مادة مشتقة أخرى هي "أسيتيل أوكتاببتيد-6" عبر شركتها التابعة "شنتشن زيتاي ميثودولوجي".

وفي مارس 2026، حصلت الشركة على شهادة من مؤسسة الاستشارات الدولية "CIC" تؤكد ريادتها كـ "مبتكر المواد الخام التجميلية القائمة على الببتيدات القصيرة ذاتية التجميع في الصين". وتمتلك الشركة أول براءة اختراع صينية معتمدة في هذا المجال، وأنشأت أول نظام تصميم موجه للببتيدات فائقة الجزيئية في البلاد. وتضم مكتبتها الجزيئية حالياً أكثر من 290 هيكلاً مبتكراً، مما يوفر أساساً قوياً لإنتاج مكونات فعالة ومميزة باستخدام الذكاء الاصطناعي والبيولوجيا التخليقية.

ولا تقتصر طموحات الشركة على مستحضرات التجميل؛ بل قامت ببناء ثلاثة قطاعات رئيسية تشمل المواد الخام التجميلية، والمواد الطبية لوقف النزيف، والأدوية الببتيدية المبتكرة، لتغطي السلسلة الصناعية بأكملها من الطب التجديدي إلى الرعاية الطبية الاستهلاكية. وفي أبريل 2026، كشفت الشركة عن براءة اختراع جديدة لببتيد ذاتي التجميع في مجالات التكنولوجيا الحيوية النانوية والطب التجديدي.

وعلى صعيد التمويل، نجحت الشركة في إتمام جولة تمويلية أولية (Angel Round) بقيمة ملايين اليوانات في يناير 2023، تلتها جولة (Series A) في عام 2024، ثم حصلت مؤخراً على تمويل إضافي بقيمة عشرات الملايين من اليوانات من "سونغهي كابيتال"، مما يؤكد ثقة السوق في إمكانات نموها.

من التكنولوجيا العميقة إلى التجميل: رهان استراتيجي ذكي

لماذا يقرر لي وي، الذي استثمر في عمالقة مثل "دي جي آي" و"بي جي آي"، أن يصبح شريكاً مؤسساً لشركة "زيتاي بيو-كرييشن"؟ إن الانتقال من دور المستثمر المالي إلى المشاركة الفعلية في الإدارة لم يكن وليد الصدفة، بل يعود إلى خلفيته الأكاديمية والمهنية.

تخرج لي وي، المولود عام 1963، في قسم الكيمياء بجامعة بكين عام 1985. ويُعرف بكونه رائداً في السوق المالية الصينية، حيث صمم وأشرف على إصدار أول سندات قابلة للتحويل وأولى مذكرات الاكتتاب متوسطة وطويلة الأجل في الصين، إلى جانب قيادة أول عملية استحواذ لشركة مدرجة.

في عام 1997، أسس "سونغهي كابيتال" التي تدير حالياً أصولاً تتجاوز قيمتها 24 مليار يوان (نحو 3.3 مليار دولار أمريكي)، مع محفظة استثمارية تضم أكثر من 400 مشروع. وعلى مدار أكثر من عقدين، ركزت الشركة على التكنولوجيا العميقة كمسار رئيسي لاستثماراتها.

فلماذا اختار "المواد الخام التجميلية"؟ صرح لي وي سابقاً بأن المواد الخام الأساسية لمستحضرات التجميل هي في جوهرها "تكنولوجيا عميقة".

تشكل المواد الخام الأساسية القوة الاستراتيجية لهذه الصناعة، حيث تحدد الحواجز التقنية قدرة الشركات على التسعير والمنافسة. لعقود طويلة، كانت الشركات الأجنبية العملاقة مثل "باسف" (BASF) و"دي إس إم" (DSM) تهيمن على أرباح المكونات النشطة ذات القيمة المضافة العالية. وتأتي تقنية الببتيدات القصيرة ذاتية التجميع لتتقاطع مع ثلاثة مجالات تقنية متقدمة: الطب التجديدي، والبيولوجيا التخليقية، وعلم المواد. إنها ليست مجرد "بديل للمكونات"، بل هي ابتكار يعيد تعريف آليات ترميم البشرة من المستوى الجزيئي.

وكما أوضحت "سونغهي كابيتال" في بيان لها: "الاستثمار الحقيقي يكمن في استهداف الندرة والنمو". وتكمن ندرة "زيتاي بيو-كرييشن" في كونها الشركة الصينية الوحيدة التي نجحت في تسجيل وتصنيع الببتيدات ذاتية التجميع ذات المعايير الطبية لاستخدامها في مستحضرات التجميل، بينما تظهر قدرتها على النمو في تغطيتها لثلاثة قطاعات حيوية: الأدوية، والتجميل الطبي، والعناية بالبشرة.

مليارات من الأموال الساخنة: ما الذي يبحث عنه المستثمرون في هذا القطاع؟

لم يكن لي وي الوحيد الذي أدرك هذه الفرصة؛ إذ يشهد قطاع المواد الخام التجميلية بأكمله تدفقات استثمارية غير مسبوقة.

وفقاً لبيانات صادرة عن شركة "Kaiyuan Securities"، ارتفع حجم سوق المواد الخام التجميلية في الصين من 114.78 مليار يوان في عام 2019 إلى 160.39 مليار يوان في عام 2024، بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 6.9%. ومن المتوقع أن يتسارع هذا النمو ليصل إلى 9.9% بين عامي 2025 و2029، لتصل قيمة السوق إلى 256.18 مليار يوان (حوالي 35.3 مليار دولار أمريكي) بحلول عام 2029. كما يشهد قطاع الببتيدات نمواً متسارعاً بفضل تقدم تقنيات التصنيع الحيوي التي تساهم في خفض تكاليف الإنتاج.

وفي النصف الأول من عام 2026، تسارعت هذه الوتيرة بشكل ملحوظ. وبحسب إحصاءات غير كاملة، شهد قطاع التجميل الصيني منذ بداية عام 2026 ما لا يقل عن 10 صفقات تمويلية كبرى تجاوزت قيمة كل منها 100 مليون يوان، تركز 70% منها في شركات المواد الخام والتكنولوجيا الحيوية، وتحديداً في مجالات البيولوجيا التخليقية، وتطوير المواد الخام المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والمكونات المتخصصة الراقية.

وقد وصل شغف المستثمرين بالشركات الواعدة إلى مستويات قياسية. ففي مايو من هذا العام، نجحت شركة "Vici Biotech" المتخصصة في الببتيدات في اجتياز متطلبات الطرح العام الأولي في بورصة بكين، لتصبح أول شركة للمواد الخام التجميلية تدرج هناك في عام 2026. كما شهدت السوق الأولية نشاطاً مكثفاً مع إتمام شركات مثل "Huaguan Bio" و"Hechen Bio" و"Kangweijian" جولات تمويلية ضخمة تجاوزت مئات الملايين من اليوانات، مما يوضح تغلغل رأس المال في كافة مراحل سلسلة التوريد.

وتلعب التسهيلات التنظيمية دوراً حاسماً في هذا الانتعاش. فمنذ تطبيق "لوائح الإشراف والإدارة على مستحضرات التجميل" في عام 2021، خضعت المواد الخام لنظام تسجيل وتصنيف صارم ومبسط. وفي 26 يونيو 2026، أصدرت الهيئة الوطنية الصينية لتنظيم المنتجات الطبية (NMPA) لوائح جديدة لإدارة وتوثيق المواد الخام التجميلية الجديدة، والتي بدأ العمل بها في 15 يوليو 2026. وخلال النصف الأول من عام 2026 وحده، تم تسجيل ما يقرب من 70% من إجمالي المواد الخام المسجلة في العام السابق بأكمله، بزيادة قدرها 43.21% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، حيث شكلت المكونات المحلية الصينية أكثر من 85% منها. وبذلك، بدأت الشركات الصينية في كسر الاحتكار التاريخي للشركات العالمية العملاقة.

إن رهان كبار المستثمرين على هذا القطاع يمثل في جوهره تحولاً عميقاً في موازين القوى داخل هذه الصناعة. وكما أشار لي وي في إحدى جلسات النقاش عام 2026: "الاستثمار في الابتكار التكنولوجي اليوم هو طريق ضيق وصعب، لكنه المسار الوحيد المتاح". ومع تدفق المزيد من الاستثمارات والمبتكرين نحو قطاع المنبع، وانتقال المواد الخام التجميلية الصينية من مرحلة "اللحاق بالركب" إلى "الريادة العالمية"، فإن قصة لي وي وشركة "زيتاي بيو-كرييشن" تؤكد حقيقة هامة: المنافسة النهائية في صناعة التجميل لن تُحسم على أرفف المتاجر، بل داخل المختبرات العلمية.

النقاش

0 تعليق

إضافة تعليق

انضم إلى النقاش

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *

التحقق الأمني

أكمل التحقق قبل نشر تعليقك.