8 سبتمبر، 2026

كيف حققت ساسا إنترناشيونال قفزة أرباح بنسبة 160% بعد خسائر ست سنوات؟

بعد إغلاق متاجرها في بر الصين الرئيسي، نجحت ساسا إنترناشيونال في تحقيق قفزة أرباح بنسبة 160% عبر التركيز على كفاءة المتاجر الفردية والأسواق الأساسية.

تشينغ وين
بقلم تشينغ وين
قراءة 1 دقيقة
كيف حققت ساسا إنترناشيونال قفزة أرباح بنسبة 160% بعد خسائر ست سنوات؟

إغلاق 77 متجراً، وقفزة في الأرباح بنسبة 160%. لقد تغيرت قواعد تجارة التجزئة التقليدية بالكامل؛ فلم يعد حجم الانتشار الجغرافي يشكل درعاً حامياً للشركات، بل أصبحت ربحية المتجر الواحد هي المقياس الحقيقي للبقاء والنجاح.

يشهد قطاع تجارة التجزئة لمستحضرات التجميل في عام 2026 حالة غير مسبوقة من الانقسام والتباين في الأداء. فبينما تُسجل مجموعة ساسا إنترناشيونال (Sa Sa International) قفزة استثنائية في أرباحها بنسبة 160.5% بعد إغلاق كافة متاجرها الفعلية في بر الصين الرئيسي، وتنجح مجموعة لونغ فونغ (Lung Fung Group) في إدراج أسهمها في بورصة هونغ كونغ بنمو قوي في الإيرادات بلغ 33.2%؛ تواجه أسماء أخرى مصيراً قاتماً، حيث دخلت سلسلة "مينغ يوان مينغ تشوانغ" في إجراءات التصفية والإفلاس، وانسحبت علامة "بولي" بهدوء من السوق، في حين أنهت "مانينغز الصين" تواجدها بالكامل في بر الصين الرئيسي.

تكشف هذه التحولات أن معايير المنافسة في قطاع التجميل قد أُعيدت كتابتها بالكامل؛ فبعد أن كان الصراع يدور حول من يمتلك شبكة فروع أوسع، بات التركيز منصباً على كفاءة المتجر الواحد وقدرته على تحقيق الأرباح. ومع وضوح الفارق بين المساحات اللانهائية للمتاجر الإلكترونية وبين التجربة الحسية الفريدة التي تقدمها المتاجر الفعلية، تجد سلاسل التجميل التقليدية نفسها أمام خيار مصيري لا يتعلق بجدوى التواجد الفعلي، بل بكيفية صياغة هذا التواجد.

عملاق التجميل في هونغ كونغ: من نزيف مالي دام ست سنوات إلى قفزة أرباح بـ 1.6 ضعف

أعلنت مجموعة ساسا إنترناشيونال مؤخراً عن بيانات مبيعاتها غير المدققة للربع الأول من العام المالي 2026/27 (الفترة من 1 أبريل إلى 30 يونيو 2026)، حيث بلغ إجمالي حجم المبيعات 1.179 مليار دولار هونغ كونغ (نحو 151 مليون دولار أمريكي)، بزيادة سنوية بلغت 22.9%. وسجلت المبيعات الفعلية في المتاجر التقليدية 992 مليون دولار هونغ كونغ، بارتفاع قدره 29.3% على أساس سنوي. وضمن هذه النتائج، حققت المتاجر الفعلية في هونغ كونغ وماكاو نمواً سنوياً بنسبة 31.0%، في حين ارتفعت مبيعات أسواق جنوب شرق آسيا بنسبة 15.1%.

في المقابل، تراجعت مبيعات القنوات الرقمية بنسبة 2.9% لتصل إلى 187 مليون دولار هونغ كونغ، وهو تراجع ناتج عن قرار استراتيجي اتخذته المجموعة بتقليص طلبيات الجملة (B2B) ذات الهوامش الربحية المنخفضة، وتوجيه الموارد نحو مبيعات التجزئة المباشرة للمستهلكين (B2C) عبر الإنترنت والمتاجر الفعلية التي تتمتع بهوامش ربح أعلى. وحتى تاريخ 30 يونيو 2026، تدير المجموعة 160 متجراً فعلياً، منها 87 متجراً في هونغ كونغ وماكاو، مع خطط لافتتاح ما بين ستة إلى سبعة متاجر جديدة في هونغ كونغ خلال النصف الأول من العام المالي الجاري.

وتأتي هذه النتائج الإيجابية استكمالاً للأداء المالي القوي الذي أعلنت عنه المجموعة للعام المالي 2025/26 (المنتهي في 31 مارس 2026)؛ حيث بلغت إيرادات العمليات المستمرة 4.383 مليار دولار هونغ كونغ, بزيادة قدرها 14.2% على أساس سنوي، في حين قفز صافي الأرباح السنوية بنسبة 160.5% ليصل إلى 201 مليون دولار هونغ كونغ.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية مضاعفة بالنظر إلى الخسائر المتراكمة التي تكبدتها المجموعة على مدار السنوات الست الماضية. ففي العام المالي 2024/25، انخفضت إيرادات ساسا الإجمالية بنسبة 9.7% لتصل إلى 3.942 مليار دولار هونغ كونغ، وتراجع صافي الأرباح العائدة للمساهمين بنسبة 64.8% ليصل إلى 76.97 مليون دولار هونغ كونغ فقط. كما بلغت خسائر عملياتها في بر الصين الرئيسي 44.95 مليون دولار هونغ كونغ، لتصل الخسائر المتراكمة هناك إلى نحو 300 مليون دولار هونغ كونغ على مدار ست سنوات. وعلى الرغم من أن المجموعة كانت تمتلك شبكة فروع واسعة بلغت ذروتها بـ 77 متجراً في عام 2022، إلا أن هذه الفروع تحولت إلى عبء مالي يستنزف سيولة الشركة بدلاً من توليد الأرباح.

وتتضح نقطة التحول التاريخية لشركة ساسا في قرارها الحاسم بإغلاق آخر 18 متجراً فعلياً لها في بر الصين الرئيسي قبل 30 يونيو 2025، والانسحاب بالكامل من سوق التجزئة الفعلي هناك. وكانت هذه الخطوة الجريئة بمثابة الحد الفاصل الذي أعاد التوازن لهيكلها المالي.

منطق الصعود: استراتيجية التخلي أثمن من التوسع العشوائي

لم يكن التحول الجذري في أداء ساسا وليد الصدفة، بل جاء نتيجة استراتيجية مدروسة ترتكز على مبدأ "التركيز والعمق" بدلاً من التوسع غير المدروس.

أولاً، التخلص الحاسم من الأصول غير المنتجة. انعكس قرار إغلاق المتاجر الفعلية في بر الصين الرئيسي بشكل إيجابي وفوري على القوائم المالية للمجموعة؛ حيث انخفضت تكاليف الإيجار الثابتة ونفقات العمالة بشكل كبير. وفي العام المالي 2024/25، لم تتجاوز مبيعات المتاجر الفعلية لساسا في بر الصين الرئيسي 103 ملايين دولار هونغ كونغ (بتراجع 38.2% على أساس سنوي)، وهو ما يمثل أقل من 20% من إجمالي مبيعاتها في تلك السوق. ومع استحواذ القنوات الرقمية على أكثر من 80% من مبيعات المنطقة، أصبح الإبقاء على المتاجر الفعلية غير ذي جدوى اقتصادية.

ثانياً، التركيز على الأسواق الأساسية في هونغ كونغ وماكاو. لطالما شكلت هاتان السوقان الحصن الأساسي لأعمال ساسا (حيث ساهمتا بنسبة 79.7% من إجمالي إيرادات المجموعة في العام المالي 2026). ومع انتعاش حركة السياحة الوافدة وتعافي مستويات الاستهلاك، تزامناً مع استراتيجية المجموعة في تقديم أحدث صيحات التجميل وجذب العلامات التجارية الأكثر طلباً، سجلت المبيعات الفعلية في هونغ كونغ وماكاو نمواً قوياً بنسبة 31%. وفي مايو 2026، قامت المجموعة بتوسيع متجرها الرئيسي في منطقة "مونغ كوك" ليمتد على مساحة تتجاوز 1333 متراً مربعاً، كما افتتحت فرعاً جديداً في منطقة "تسيام شا تسوي" الحيوية في يونيو من العام نفسه.

ثالثاً، تحويل التركيز الرقمي من حجم المبيعات إلى صافي الربح. في السوق الصينية، حافظت ساسا على حضورها الرقمي من خلال برنامجها المصغر على تطبيق "وي تشات" (WeChat) الشهير، إلى جانب متاجرها الرسمية على منصات التجارة الإلكترونية الكبرى مثل "تي مول" (Tmall) و"دويين" (Douyin - النسخة الصينية من تيك توك). وقد سجل برنامج وي تشات المصغر نمواً بنسبة 44% في عدد المستخدمين النشطين شهرياً. وعبر تحسين العمليات الرقمية والاعتماد على البث المباشر وإدارة قنوات التواصل الخاصة، نجحت المجموعة في رفع ربحية قنواتها الرقمية بدلاً من السعي وراء حجم المبيعات المجرد.

رابعاً، تحديد جنوب شرق آسيا كمحرك نمو ثانٍ. تهدف المجموعة إلى تحقيق نقطة التعادل المالي في هذه المنطقة خلال العام المالي الجاري، ومضاعفة مبيعاتها في غضون ثلاث سنوات من خلال تطوير قنوات التجارة الإلكترونية وتحسين مزيج المتاجر. وفي الربع الأول من عام 2026، ارتفعت المبيعات الفعلية في جنوب شرق آسيا بنسبة 15.1%، مدفوعة بأداء متميز في ماليزيا وسنغافورة حيث تدير المجموعة 75 متجراً.

لقد أثبتت ساسا إنترناشيونال خلال عام واحد حقيقة تجارية بسيطة: في قطاع تجزئة التجميل التقليدي، قد يكون التخلي والتركيز أحياناً أكثر قيمة وجدوى من الركض وراء التوسع وزيادة عدد الفروع.

بين الإدراج والطلب على الإفلاس: لا توجد إجابة موحدة لتجارة التجزئة الفعلية

لا تعد تجربة ساسا حالة معزولة، بل هي انعكاس لعملية إعادة هيكلة شاملة تشهدها تجارة التجزئة الفعلية لمستحضرات التجميل. فمنذ عام 2025، أعلنت "مانينغز الصين" إغلاق كافة متاجرها الفعلية ومنصاتها الرقمية في بر الصين الرئيسي، كما أغلقت سلسلة "واتسونز الصين" أكثر من 700 متجر على مدار خمس سنوات، في حين تواجه سلاسل محلية مثل "مينغ يوان مينغ تشوانغ" دعاوى قضائية وتصفية مالية.

وفي المقابل، يبرز لاعبون آخرون يحققون نمواً لافتاً؛ حيث سجلت مجموعة لونغ فونغ (Lung Fung Group) إيرادات بلغت 3.277 مليار دولار هونغ كونغ في العام المالي 2026 (بزيادة 33.2% على أساس سنوي)، مع قفزة في الأرباح بنسبة 57.9%، لتنجح في إدراج أسهمها ببورصة هونغ كونغ في يونيو كأول سلسلة صيدليات ومستحضرات تجميل مدرجة هناك. وبالمثل، حققت سلسلة متاجر أولتا بيوتي (Ulta Beauty) نمواً في إيرادات الربع الأول بنسبة 11.08% لتصل إلى 3.164 مليار دولار، في حين تواصل سلسلة "دوغلاس" (Douglas) توسعها المدروس في أوروبا متجاوزة حاجز الـ 2000 متجر.

وتكشف هذه المفارقة عن قانون واضح للنجاح؛ فالشركات التي تحقق نمواً هي تلك التي نجحت في تقديم قيمة فريدة لا يمكن للتجارة الإلكترونية استنساخها، سواء تمثل ذلك في عمق قنوات التوزيع والمزايا السعرية لشركة ساسا في هونغ كونغ، أو كفاءة سلاسل التوريد لدى لونغ فونغ، أو التجربة الحسية والخيارات العالمية التي توفرها سيفورا، أو شمولية الفئات وبرامج الولاء المتميزة لدى أولتا بيوتي.

أما الشركات المتعثرة، فقد وقعت جميعها في فخ "المنافسة المتطابقة" مع المنصات الرقمية؛ حيث تعاملت مع المتاجر الفعلية كمجرد أرفف لعرض المنتجات مع تحمل تكاليف إيجار وعمالة باهظة، دون تقديم أي ميزة تنافسية أو تجربة تفاعلية مميزة للمستهلك. وعندما توفر القنوات الرقمية خيارات أوسع بأسعار أقل وتكلفة تشغيلية أدنى، تفقد هذه المتاجر مبرر وجودها الأساسي.

وبالنظر إلى جوهر المشكلة، فإن التحديات التي واجهت سلاسل مثل مانينغز وواتسونز تتطابق مع الأسباب التي دفعت ساسا للانسحاب من بر الصين الرئيسي؛ فعندما تنضب عوائد التوسع الجغرافي السهل دون بناء قدرة حقيقية على تمييز المنتجات أو تحويل المتاجر إلى مساحات تجريبية تفاعلية، يصبح الانكماش والتركيز هو الخيار الأكثر حكمة للبقاء.

النقاش

0 تعليق

إضافة تعليق

انضم إلى النقاش

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *

التحقق الأمني

أكمل التحقق قبل نشر تعليقك.