مبيعات بالمليارات وهيبة غائبة: لماذا يحسد عمالقة التجميل الصينيون علامة Fenghua؟
يواجه قطاع التجميل الصيني معضلة حقيقية؛ فرغم تحقيق مبيعات سنوية بالمليارات بفضل خوارزميات البث المباشر، تفتقر العلامات التجارية إلى الولاء الحقيقي والقيمة المضافة، مما يجعلها أسيرة لدوامة حرق الأسعار.
أصبح عدم التوازن الصارخ بين حجم المبيعات الضخم والقيمة الفعلية للعلامة التجارية أحد أكثر التحديات إلحاحاً التي تسعى صناعة مستحضرات التجميل في الصين إلى حلها اليوم.
لماذا يهم هذا التوجه؟ هذا التحول في صناعة الجمال الصينية يكشف أن أرقام المبيعات الفلكية الناتجة عن البث المباشر لم تعد كافية لضمان البقاء. هناك تحرك جماعي نحو بناء قيمة حقيقية وهوية راسخة تتجاوز مجرد حرق الأسعار وحروب الخوارزميات.
في حوارات أجرتها مؤخراً منصة "China Cosmetics" مع عدد من قادة الصناعة، برزت حالة من "القلق" المشترك والعميق.
يقول أحد مؤسسي العلامات التجارية المخضرمين: "حتى لو بلغت مبيعاتنا السنوية 3 مليارات يوان (حوالي 415 مليون دولار)، ما زلت أشعر أننا مجرد 'بائعي سلع' ولسنا 'صناع علامة تجارية'." تلخص هذه الكلمات واقعاً مريراً.
إنها مفارقة تدعو للقلق في قطاع التجميل: تمتلك العلامات التجارية المحلية الصينية أحجام مبيعات هائلة، بل إن بعضها يصنف كشركات عملاقة تحقق مليارات اليوانات سنوياً، لكنها تظل محاصرة في منطق "بيع السلع" الأساسي—دون قيمة مضافة للعلامة، ودون مكانة راسخة في أذهان المستهلكين، ودون أصول طويلة الأجل. نبيع الكثير، لكننا نفتقر إلى الهيبة الحقيقية. فأين يكمن الخلل؟
سموم التدفق الرقمي: متلازمة "العملاق المنفوخ"
يصف "وو تشي غانغ"، المدير العام لشركة OIB.CHINA ومؤسس معهد أبحاث العلامات التجارية الناشئة، جوهر هذا القلق الجماعي قائلاً: "هذه علامات تجارية تضخمت بفعل التدفق الرقمي، وهي الآن تقع ضحية له."
ويشبه التدفق الرقمي بـ "السم القاتل". ويضيف: "لكنك مضطر لتناوله، لأنه بدونه لا يمكنك البقاء." على مدار العقد الماضي، ركبت العلامات التجارية المحلية موجة التجارة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، واعتمدت على كفاءة الإعلانات المدفوعة ومنصات التجارة الاجتماعية لتحقيق نمو سريع في إجمالي قيمة البضائع المباعة (GMV). لكن هذا النمو كان مجرد "انتفاخ زائف".
يركز التدفق الرقمي على الكفاءة والسرعة ومعدلات التحويل، مما يضغط الجدول الزمني لبناء العلامة التجارية. إن الثقافة والعمق والقصص والعلاقات مع المستهلكين—والتي تحتاج جميعها إلى وقت لتترسخ—تعتبر عبئاً في منطق الخوارزميات السريعة. والنتيجة هي أننا حققنا مبيعات بمستويات عالمية، لكن بأرباح لا تتعدى أرباح المصانع وصورة ذهنية متواضعة للغاية.
وفي الوقت الذي تشهد فيه منصات مثل تيك توك نمواً قياسياً لفئات التجميل في جنوب شرق آسيا، يظل الاعتماد المفرط على هذه القنوات الرقمية سلاحاً ذا حدين للعلامات التي تسعى للاستدامة.
يعلق "تشنغ ينغ كي"، مؤسس علامة "Bingquan" لمعاجين الأسنان المبتكرة، على هذه المعضلة قائلاً: "بيع السلع يعني جني الأرباح من صفقات لمرة واحدة، أما بناء العلامة التجارية فيعني كسب ثقة المستهلك على المدى الطويل." ويشير إلى أن جوهر هذه الأزمة يكمن في عقلية "الربح السريع". فعندما يركز الجميع فقط على العائد على الاستثمار (ROI)، لا أحد يرغب في التمهل للاستثمار في البحث والتطوير أو خلق قيمة فريدة، لأنها عمليات بطيئة مقارنة بالخصومات والعروض الترويجية السريعة.
الركائز الثلاث لبناء العلامة التجارية: الفعالية، والجاذبية البصرية، والقيمة العاطفية
طرح "تشنغ ينغ كي" ثلاث ركائز أساسية تدعم هيبة العلامة التجارية، كاشفاً عن نقاط الضعف لدى العلامات المحلية:
فعالية المنتج هي الأساس (الرقم "1")، وغالباً ما تتوقف العلامات المحلية عند هذا الحد.
تتفوق العلامات الصينية في دفع الفعالية والمكونات إلى أقصى الحدود وبأرقام مذهلة. لكن تشنغ يحذر: "إذا كانت الفعالية غير مستقرة، فإن معدل إعادة الشراء سيكون صفراً، وتصبح هيبة العلامة مجرد قصر من الرمال ينهار مع أول هبة ريح."
تصميم العبوات والتغليف هو "الواجهة"، وهو الذي يحدد البقاء من النظرة الأولى.
يسترجع تشنغ درساً من بدايات علامة Bingquan: "لقد ابتعدتُ في البداية عن الهوية الشبابية والعصرية في التصميم سعياً وراء مظهر 'مهني وعلمي'، مما أدى إلى تراجع المبيعات المتكررة." بالنسبة للمستهلكين الشباب اليوم، تعد الجاذبية البصرية مطلباً أساسياً؛ وإذا افتقر المنتج إلى المظهر الجذاب، فإنه يفقد فرصة التجربة من الأساس.
القيمة العاطفية هي "الروح"، وهي الساحة النهائية لرفع هوامش الربح، والضعف الأكبر للعلامات المحلية. ويؤكد تشنغ: "القيمة العاطفية هي جوهر هيبة العلامة التجارية." ويوضح أن نجاح Bingquan جاء من خروجها من الإطار الوظيفي التقليدي لمعجون الأسنان، لتضيف قيمة عاطفية تتمثل في "انتعاش الفم" و"الثقة الاجتماعية". "نريد أن يرتبط اسم المنتج بالخيال في ذهن المستهلك، وأن يثير تصميمه التطلعات، وأن يترك استخدامه انطباعاً عميقاً."
أزمة هوامش الربح: ليست قلة رغبة، بل نقص في القدرات
يتساءل العديد من أصحاب العلامات التجارية المحلية بغضب: "نريد أيضاً رفع أسعارنا وتحقيق هوامش ربح أعلى، لكن المستهلكين لا يتقبلون ذلك!"
يقدم "وو تشي غانغ" تحليلاً صارماً: عجز علامات التجميل المحلية عن فرض أسعار مرتفعة لا يعود إلى عدم الرغبة، بل إلى نقص في القدرات الشاملة. فالمنتجات التي تُسعّر بـ 39 أو 139 أو 339 يوان تتطلب ثلاث منظومة تشغيلية مختلفة تماماً.
على مستوى المنتج، هل تمتلك براءات اختراع حصرية ومكونات نادرة تدعم السعر المرتفع؟ وعلى مستوى العلامة التجارية، هل تمتلك القدرة على صياغة قصة مقنعة وخلق هالة تناسب الفئة الفاخرة؟ وعلى مستوى الفريق، هل تمتلك الهيكل التنظيمي والخدمات الاحترافية القادرة على تلبية متطلبات شريحة المستهلكين الراقية؟ غياب أي من هذه العناصر يفشل المنظومة.
وفي الوقت نفسه، يدعو وو العاملين في القطاع إلى التخلي عن الهوس الأعمى بالمنتجات الفاخرة والنظرة النخبوية الضيقة. فالسوق الصيني لا يفتقر إلى المنتجات الفاخرة الباهظة، بل يحتاج بشدة إلى علامات تجارية وطنية عالية الجودة تلبي احتياجات السوق الواسع بأسعار معقولة. على سبيل المثال، نجحت علامة "Fenghua" (وهي علامة تجارية كلاسيكية لمنتجات العناية بالشعر) على مدار أكثر من 30 عاماً في الحفاظ على مكانتها كعلامة وطنية رائدة بفضل بلسم شعر يُباع بـ 9.9 يوان فقط (حوالي 1.4 دولار). لا توجد علامة تجارية أفضل من أخرى؛ فالنجاح الحقيقي يكمن في التركيز على الفئة السعرية المستهدفة، وتحقيق أقصى درجات الكفاءة التشغيلية، وكسب ولاء المستهلكين.
نموذج عملي: من "منتج رائج" إلى "رمز اجتماعي"
شارك "تشنغ ينغ كي" استراتيجية الخطوات الثلاث التي اعتمدتها Bingquan لبناء هويتها:
الخطوة الأولى: الاستحواذ على الذهنية عبر التميز. في الوقت الذي ركز فيه الجميع على التبييض ومكافحة الحساسية، ركزت Bingquan على حاجة الشباب إلى "الثقة الاجتماعية"، وابتكرت فئة جديدة وهي "معجون أسنان معطر للفم". واستخدمت التصاميم الجذابة والنكهات المبتكرة (مثل نكهة شاي الحليب والفواكه) كبوابة لجذب الشباب الفضوليين لتجربة المنتج.
الخطوة الثانية: ترقية القيمة من "الرائحة الزكية" إلى "الاحترافية". لا يمكن للعلامة التجارية الاستمرار بالاعتماد على الرائحة فقط. لذلك، أطلقت Bingquan استراتيجية "التعطير المطور"، حيث دمجت تقنيات براءات الاختراع لمكافحة رائحة الفم وتبييض الأسنان، محولة الفعالية إلى واقع ملموس مع تعزيز القيمة العاطفية للثقة الاجتماعية.
الخطوة الثالثة: التكامل الشامل ودمج العلامة في أسلوب الحياة. تتبنى العلامة مبدأ "السرعة عبر الإنترنت، والثقة على أرض الواقع". يتم الترويج للمنتج رقمياً عبر المنصات المختلفة، بينما يتم التوزيع الفعلي في المتاجر العصرية مثل "Watsons" و"The Colorist" (سلاسل متاجر تجزئة شهيرة لمستحضرات التجميل في الصين). ومن خلال هذا الانتشار متعدد القنوات، تحولت Bingquan من مجرد "منتج رائج على الإنترنت" إلى علامة تجارية عصرية للعناية بالفم لا غنى عنها في حياة الشباب الاجتماعية.
السنوات الثلاث إلى الخمس القادمة: المعركة النهائية
مع انتهاء حقبة النمو العشوائي القائم على شراء التدفق الرقمي فقط، يعتقد تشنغ أن المنافسة القادمة ستكون صراعاً بين أربع قوى رئيسية:
القوة الصلبة (البحث والتطوير/التكنولوجيا/براءات الاختراع): وهي الأساس؛ فبدون تكنولوجيا قد تنجح لفترة لكنك لن تستمر.
القوة الناعمة (الذهنية/العاطفة/الثقافة): وهي مصدر القيمة المضافة التي تجعل المستهلك مستعداً للاستثمار في العلامة عن قناعة.
قوة المستهلك (التشغيل/إعادة الشراء/القيمة مدى الحياة): مع ارتفاع تكاليف جذب العملاء الجدد، تصبح خدمة العملاء الحاليين أكثر أهمية من أي وقت مضى.
القوة التنظيمية (الرؤية طويلة الأجل/المواهب/سلسلة التوريد): بناء العلامة التجارية يتطلب عملاً جماعياً منظماً، وليس جهداً فردياً من صاحب الشركة.
من جانبه، يشدد "وو تشي غانغ" على أهمية التجربة الحسية المتكاملة للعلامة التجارية. فالشراء عبر الإنترنت يحد من حواس المستهلك، بينما تتيح المتاجر الفعلية تجربة غامرة تخاطب الحواس الخمس. وفي المستقبل، فإن العلامات التجارية القادرة على الربط بين القنوات الرقمية والواقعية، والاعتماد على الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة لتقديم تجارب حسية متكاملة، هي الوحيدة التي ستتحرر من قيود الخوارزميات وتصمد أمام تقلبات السوق.
لا تفتقر علامات التجميل الصينية إلى الحجم أو الزخم أو التدفق الرقمي، بل تفتقر إلى التمهل لبناء القيمة الحقيقية، والتركيز على الأصول طويلة الأجل.
على المدى القصير، يعتمد البيع على التدفق الرقمي؛ وعلى المدى الطويل، يعتمد بناء العلامة التجارية على القيمة. التدفق الرقمي قد يمنحك الشهرة السريعة، لكن تراكم الفعالية، والاتصال العاطفي، والقوة التنظيمية هو ما يمنح العلامة التجارية جذوراً عميقة في الصناعة وفي قلوب المستهلكين.
إن التخلص من قلق "المبيعات بلا هوية"، والابتعاد عن فخ حرق الأسعار، والتحول من "عقلية البيع" إلى "عقلية بناء العلامة التجارية" هو السبيل الوحيد لنجاح علامات التجميل في المرحلة القادمة.


النقاش
0 تعليق