8 سبتمبر، 2026

"تونغ رين تانغ" تصفّي ذراعها التجميلي: هل تبخر حلم العلامة العريقة؟

تقدم عملاق الطب الصيني التقليدي "تونغ رين تانغ" بطلب لتصفية ذراعه لمستحضرات التجميل، في خطوة حاسمة لإنهاء فوضى الترخيص وحماية سمعة العلامة التجارية العريقة.

سانا
بقلم سانا
قراءة 1 دقيقة
"تونغ رين تانغ" تصفّي ذراعها التجميلي: هل تبخر حلم العلامة العريقة؟

ارتفاع رسوم ترخيص العلامة التجارية بنسبة 300%، وتداعيات فوضى التصنيع التعاقدي غير المنضبط — بدأت عملية "تطهير شاملة" لحماية واحدة من أعرق العلامات التجارية في الصين.

مؤخراً، كشفت المنصة الوطنية الصينية لمعلومات إفلاس وإعادة هيكلة الشركات أن مجموعة "بكين تونغ رين تانغ" (Beijing Tongrentang Group) تقدمت بطلب رسمي إلى محكمة بكين الشعبية المتوسطة الأولى لتصفية شركتها التابعة المملوكة بالكامل "بكين تونغ رين تانغ لمستحضرات التجميل" (Beijing Tongrentang Cosmetics).

هذه الشركة، التي تأسست في ديسمبر 2005 وتمتلك المجموعة الأم 51% من أسهمها، وصلت إلى نهاية رحلتها التي استمرت قرابة 21 عاماً بقرار مباشر من الشركة الأم.

ولا يعد هذا الإجراء مجرد إغلاق روتيني؛ فالتصفية الإلزامية تعني أن الشركة لا تغلق أبوابها بسبب الإفلاس الناجم عن العجز المالي، بل لأن المساهمين قرروا إنهاء نشاطها وتطهير أصولها عبر القضاء لوجود أسباب قانونية لحلها. وبما أن مجموعة "تونغ رين تانغ" هي المساهم المسيطر الذي تقدم بالطلب، فإن هذا يعكس قراراً استراتيجياً حاسماً من الإدارة العليا.

21 عاماً دون بناء هوية مستقلة للعلامة التجارية

تأسست شركة "تونغ رين تانغ لمستحضرات التجميل" في عام 2005 كشراكة بين المجموعة الأم ومجموعة "هونغ كونغ غو شينغ" (Hong Kong Guoxing Group). وكان هدفها واضحاً منذ البداية: استغلال الإرث العريق للمجموعة في الطب الصيني التقليدي، والذي يمتد لأكثر من 300 عام، وتحويل فلسفة "العناية العشبية الطبيعية بالبشرة" إلى منتجات تجميلية منافسة.

على مدار عقدين من الزمن، أطلقت الشركة سلاسل منتجات متعددة مثل "Tongren Herbal" و"Yizhuang" و"Liyanfang"، لتغطي فئات الكريمات، وأقنعة الوجه، ومنتجات العناية بالشعر والشخصية. ورغم هذا التنوع الواسع، إلا أن الشركة فشلت في تحقيق أهم أهدافها: بناء هوية مستقلة وقوية في السوق.

طوال مسيرتها، لم تنجح الشركة في تقديم منتج واحد بارز (Hero Product) يرتبط اسمه مباشرة بـ "تونغ رين تانغ لمستحضرات التجميل". وظل المستهلكون يربطون المنتجات بالاسم التاريخي للمجموعة الأم "تونغ رين تانغ" فقط، حيث يشترون مستحضراتها كخيار جانبي عند زيارة الصيدليات أو البحث في منصات التجارة الإلكترونية، بدلاً من البحث عن علامة التجميل ذاتها كعلامة مستقلة وموثوقة.

وعندما تعتمد قيمة أي علامة تجارية بالكامل على اسم الشركة الأم دون القدرة على بناء مكانة خاصة بها في أذهان المستهلكين، فإنها تظل في حالة "تطفل" بدلاً من "النمو الحقيقي".

فوضى الترخيص والتصنيع التعاقدي تلتهم السمعة التاريخية

يأتي توقيت هذا القرار الحاسم في مرحلة حساسة للمجموعة.

وفقاً للتقرير السنوي لعام 2025، سجلت "تونغ رين تانغ" إيرادات بلغت 17.26 مليار يوان (حوالي 2.38 مليار دولار أمريكي)، بانخفاض قدره 7.21% على أساس سنوي، في حين تراجع صافي الأرباح بنسبة 22.07% ليصل إلى 1.19 مليار يوان. كما انخفض هامش الربح الإجمالي من 47.29% في عام 2023 إلى 42.87% في عام 2025.

مع تزايد الضغوط على الأعمال الأساسية، كان من الطبيعي مراجعة الأنشطة غير الأساسية. لكن الدافع الحقيقي وراء قرار التصفية لم يكن حجم الخسائر المالية للشركة التابعة، بل الأضرار الجسيمة التي لحقت بسمعة "تونغ رين تانغ" التاريخية نتيجة فوضى التراخيص والتصنيع التعاقدي (OEM) غير المنضبط.

في السنوات الأخيرة، اندفعت شركات الأدوية الصينية نحو ترخيص أسمائها التجارية لشركات تجميل خارجية. وقامت أطراف ثالثة بإنتاج وبيع مستحضرات تجميل تحت اسم "تونغ رين تانغ" مقابل دفع رسوم ترخيص، دون وجود رقابة صارمة على جودة المنتجات من الشركة الأم. ورغم أن هذا النموذج حقق أرباحاً سريعة في البداية، إلا أن عواقبه الوخيمة بدأت تظهر سريعاً.

تُظهر بيانات التجارة الإلكترونية أن مبيعات مستحضرات التجميل التي تحمل اسم "تونغ رين تانغ" عبر الإنترنت بلغت حوالي 287 مليون يوان في العام الماضي، بتراجع حاد يقارب 49% على أساس سنوي. وعندما يواجه المستهلكون مشاكل في جودة هذه المنتجات المرخصة، فإن اللوم يقع مباشرة على العلامة الأم.

وقد وصلت هذه الأزمة إلى ذروتها في عام 2022، عندما أعلنت الإدارة الوطنية للمنتجات الطبية في الصين (NMPA) عن 50 دفعة من مستحضرات التجميل غير المطابقة للمواصفات، وكان من بينها قناع العناية بالشعر "Tongrentang Plant Pulp Hair Repair Mask" الذي تم إنتاجه بموجب ترخيص من شركة "تونغ رين تانغ لمستحضرات التجميل"، حيث تبين احتواؤه على مواد كيميائية محظورة ومخالفة للمعايير.

وعندما تتعرض علامة تجارية يمتد تاريخها لثلاثة قرون للتشويه بسبب رداءة منتجات مرخصة، يصبح التدخل لإنقاذ السمعة أمراً حتمياً.

قفزة رسوم الترخيص: إشارة سعرية لغربلة الشركاء

الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في هذه القضية هو التغير المفاجئ في رسوم ترخيص العلامة التجارية.

وفقاً للتقرير المالي لعام 2025، دفعت الشركة المدرجة رسوم استخدام العلامة التجارية للمجموعة الأم بقيمة 35.58 مليون يوان، مقارنة بـ 8.96 مليون يوان فقط في عام 2024، وهو ارتفاع هائل بنسبة 296.99%، بعد سنوات طويلة استقرت فيها هذه الرسوم تحت حاجز الـ 10 ملايين يوان.

هذا الارتفاع المفاجئ بنسبة تقارب 300% يحمل دلالات تجارية واضحة؛ فالأمر لا يتعلق بحاجة المجموعة للأموال، بل باستخدام "رافعة الأسعار" كأداة لغربلة وتصفية الأنشطة غير المجدية. فالأعمال القادرة على تحمل هذه التكلفة المرتفعة هي فقط التي تستحق الاحتفاظ بالاسم التجاري، أما الأعمال الضعيفة فسيتم إقصاؤها تلقائياً.

وبالنظر إلى قرار التصفية، يتضح أن هذه الزيادة كانت بمثابة رصاصة الرحمة لشركة مستحضرات التجميل التابعة التي تعاني من ضعف الإيرادات وغياب الهوية المستقلة، مما جعل إغلاقها الخيار الأكثر عقلانية للمجموعة.

التصفية لا تعني الانسحاب الكامل من قطاع التجميل

هل يعني إغلاق هذه الشركة تراجع "تونغ رين تانغ" نهائياً عن قطاع التجميل؟

الواقع يشير إلى عكس ذلك. تتبنى المجموعة استراتيجية "النواة والجناحين"، حيث يمثل الطب الصيني التقليدي النواة الأساسية، بينما تمثل الرعاية الصحية ومستحضرات التجميل الجناحين الداعمين للنمو.

الشركة التي تمت تصفيتها كانت مجرد مشروع مشترك مباشر، في حين تمتلك المجموعة أذرعاً تجميلية أخرى أكثر انضباطاً، مثل شركة "مايرهاي" (Maerhai) التابعة لشركة "تونغ رين تانغ للتكنولوجيا" والمتخصصة في تطوير وإنتاج منتجات العناية بالبشرة العشبية، بالإضافة إلى فرع "ميكانغ" (Meikang) التجميلي الجديد الذي تأسس في فبراير 2026.

لذلك، فإن عملية التصفية الحالية هي خطوة لإعادة تنظيم البيت الداخلي، والتخلص من الكيانات غير الفعالة التي تسببت في فوضى التراخيص، والتركيز على الأذرع التي تخضع لرقابة مباشرة وصارمة من المجموعة.

تحديات عبور شركات الأدوية إلى عالم التجميل

تكشف تصفية هذه الشركة عن الفجوة الكبيرة بين قطاعي الأدوية والتجميل، وهي أزمة تواجهها العديد من شركات الأدوية التي حاولت دخول هذا المجال. تشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 400 شركة أدوية صينية قد دخلت قطاع التجميل، لكن القليل منها فقط نجح في تحقيق حضور حقيقي.

السبب يعود إلى اختلاف الفلسفة التشغيلية؛ فصناعة الدواء تعتمد على معادلة "البحث والتطوير ثم الاعتماد الحكومي ثم البيع"، وهي دورة طويلة ذات حواجز تنظيمية عالية. أما قطاع التجميل فيقوم على "البحث والتطوير ثم التسويق المبتكر ثم التطوير السريع للمنتجات"، وهو ما يتطلب مرونة فائقة وقدرة على سرد قصص تسويقية جذابة وفهم متطلبات المستهلكين المتغيرة باستمرار.

وفي حين تشهد السوق الصينية سباقاً محموماً نحو ابتكار مكونات متطورة مثل الـ PDRN لبناء حواجز تنافسية حقيقية، فإن الاعتماد البسيط على ترخيص العلامات التجارية لم يعد كافياً للاستمرار.

إن تصفية شركة "تونغ رين تانغ لمستحضرات التجميل" تبعث برسالة واضحة لقطاع التجميل بأكمله: لقد انتهى عصر الأرباح السهلة القائمة على مجرد وضع أسماء شركات الأدوية الشهيرة على عبوات مستحضرات التجميل. والمستقبل سيكون فقط للشركات التي تفهم ديناميكيات السوق الحقيقية وتستثمر في بناء علامات تجارية مستقلة وموثوقة.

النقاش

0 تعليق

إضافة تعليق

انضم إلى النقاش

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *

التحقق الأمني

أكمل التحقق قبل نشر تعليقك.