جنوب إفريقيا: اضطرابات سياسية تهدد سوق تجميل بقيمة 4.2 مليار دولار
تواجه جنوب إفريقيا، كأكبر مركز لتصدير مستحضرات التجميل في القارة، تحديات متزايدة بسبب الاضطرابات المناهضة للمهاجرين، مما يهدد سلاسل التوريد والاستثمارات.
تُعد جنوب إفريقيا أكبر سوق لمستحضرات التجميل في القارة الإفريقية وأكثر مراكز إعادة التصدير رسوخاً؛ إذ تستحوذ على نحو 27.5% من إجمالي إيرادات التجميل في إفريقيا. ووفقاً لبيانات شركة "موردور إنتليجنس" (Mordor Intelligence) ومؤسسة "بيوريوس" (Biorius) للاستشارات التنظيمية، فإن جنوب إفريقيا وجهت أكثر من 60% من صادراتها من مستحضرات التجميل إلى دول إفريقية أخرى بحلول عام 2023. هذه البنية التحتية القوية جعلت البلاد البوابة الرئيسية للشركات متعددة الجنسيات الساعية لبناء حضور لها في القارة، وللعلامات التجارية الإفريقية التي تتطلع للتوسع خارج أسواقها المحلية. ومع ذلك، فإن هذه البنية التحتية تواجه اليوم ضغوطاً شديدة.
منذ أبريل 2026، نظمت الحركات والاحتجاجات المناهضة للهجرة والمهاجرين، وأبرزها مسيرة "مارش آند مارش" وحركة "عملية دودولا" (Operation Dudula) المستمرة منذ فترة طويلة، احتجاجات وإجراءات أمنية ذاتية ضد الرعايا الأجانب (ومعظمهم من الأفارقة) في مدن جوهانسبرغ وبريتوريا وديربان. وأفادت تقارير صادرة عن منظمة "هيومن رايتس ووتش" وقناة "الجزيرة" بوقوع وفيات وعمليات إخلاء غير قانونية واعتداءات على الشركات المملوكة لأجانب. وقد أثارت هذه الاضطرابات إدانات من الأمم المتحدة واللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، وتزامنت مع دعوات على وسائل التواصل الاجتماعي لمقاطعة مشاركات جنوب إفريقيا في المنافسات الدولية.
بالنسبة لصناعة تعتمد بالأساس على توريد المكونات وتصنيعها وتوزيعها عبر الحدود، فإن هذا المزيج من الأضرار التي تلحق بالسمعة والمخاطر المادية يمثل تهديداً مباشراً وملموساً لخطوط الأعمال، وليس مجرد ضوضاء عابرة في الخلفية. وقد تصبح هذه الأضرار أكثر وضوحاً وعمقاً، خاصة بعد أن شهدت جنوب إفريقيا في 30 يونيو 2026 أكبر احتجاج مناهض للمهاجرين حتى الآن.
ارتفاع علاوة المخاطر وانكشاف سلاسل التوريد
صاغ "باباك حفيظي"، الرئيس التنفيذي لشركة "حفيظي كابيتال" (Hafezi Capital LLC)، هذه الاضطرابات باللغة التي يستخدمها المستثمرون يومياً: "علاوة المخاطر". وقال حفيظي في تصريح لمنصة "BeautyMatter": "إن الهجمات ضد المهاجرين وقضايا الهجرة ككل يمكن أن تؤثر سلباً وبشدة على جنوب إفريقيا، لأنها ترفع من علاوة المخاطر المرتبطة بممارسة الأعمال التجارية هناك". وأضاف أن المستثمرين يزنون ما هو أكثر من البنية التحتية وحجم السوق؛ إذ تدخل المخاطر السياسية والقانونية ومخاطر السمعة مباشرة في حسابات تخصيص رأس المال. وكان حكمه حاسماً بشأن ما إذا كان المستثمرون يرغبون في العمل في بيئة يتعرض فيها موظفوهم المحتملون للترحيل أو يواجهون عقبات بيروقراطية متزايدة، حيث أجاب بـ "لا قاطعة".
وكان حفيظي صريحاً بشأن المخاطر التي تواجه مصنعي مستحضرات التجميل بمجرد انتشار الاضطرابات، مستعرضاً الأسئلة التي يطرحها المصنعون الأذكياء وخبراء التجارة الآن: "كيف سيؤثر هذا الوضع غير المستقر على مخاطر العملات الأجنبية؟ وكيف سيؤثر على مخاطر المواد الخام الأساسية؟ هل سيفضل السوق المحلي المواد ذات المنشأ الأجنبي أم العلامات التجارية الأجنبية؟ وهل تشكل النزعة القومية تهديداً حقيقياً لعلامتي التجارية؟". وفيما يتعلق بقطاع التجميل تحديداً، حذر من أن سلسلة التوريد بأكملها باتت مهددة، بدءاً من ترهيب تجار التجزئة ومصادرة البضائع، مروراً باحتمال حرق المخزون من قبل جماعات الأمن الذاتي كوسيلة لتمييز "الآخر"، وصولاً إلى مخاطر التخزين والتوصيل النهائي، وأخيراً رد الفعل العنيف ضد العلامات التجارية نفسها.
بينما يتساءل المصنعون عن كيفية تأثير هذه الاضطرابات على سلاسل التوريد والمواد الخام، يزداد اهتمام المستثمرين بفرص بديلة ومستقرة، وهو ما يفسر ما الذي يدفع عمالقة الاستثمار للتركيز على المواد الخام لمستحضرات التجميل في مناطق أخرى أكثر أماناً. ومع ذلك، أشار حفيظي إلى أن الأساسيات الاقتصادية لجنوب إفريقيا لا تزال متماسكة في الوقت الحالي: "تظل جنوب إفريقيا مركزاً رئيسياً بفضل نظامها المالي، وبنيتها التحتية اللوجستية، وقاعدتها المؤسسية، وموقعها الجغرافي ضمن مجموعة التنمية لإفريقيا الجنوبية (SADC)". ومع ذلك، فإن تأثير الاحتجاجات المناهضة للمهاجرين يظل مشروطاً بمدى استمرارها، ومدى مساهمتها في فرض المزيد من القيود على حقوق الإنسان لفئات معينة من السكان.
الأثر على أرض الواقع: معنويات المستهلكين، القوى العاملة، والمقاطعة
بالنسبة لمؤسسي الشركات الذين يعملون بالفعل في جنوب إفريقيا، فإن التأثير يبدو أقل تجريداً وأكثر واقعية. فقد وصفت "ليندا هاوسمان"، الرئيسة التنفيذية ومؤسسة علامة "سوكي سوكي ناتشورالز" (Suki Suki Naturals) -وهي كونغولية الجنسية ومقيمة في جنوب إفريقيا منذ سنوات- حجم المعاناة، على الرغم من أن عملياتها الخاصة لم تتأثر بشكل مباشر. وقالت هاوسمان لـ "BeautyMatter": "يحزنني كثيراً رؤية ما يحدث"، مشيرة إلى أن نظام التأشيرات في جنوب إفريقيا كان بالفعل من بين الأكثر تقييداً في القارة حتى قبل بدء الاضطرابات. وأضافت: "إنها في الواقع واحدة من أصعب الدول للحصول على تأشيرة، سواء كانت تأشيرة عمل أو غيرها، لأن المتطلبات مرتفعة للغاية".
وأشارت هاوسمان إلى تحول في المصطلحات المستخدمة لمناقشة الأزمة الحالية: "هناك عامل رهاب الأجانب (Xenophobia)، والآن بات يُطلق عليه عامل رهاب الأفارقة (Afrophobia). فالأمر لا يقتصر على تأثر الأفارقة فقط". كما استشهدت بأرقام البطالة التي تشكل ملامح النقاش المحلي، قائلة: "لدينا نحو 8 ملايين عاطل عن العمل في جنوب إفريقيا"، مع التحذير من أن البطالة ليست المحرك الوحيد لهذه الأزمة.
وفيما يتعلق بمعنويات المستهلكين، ربطت هاوسمان ردود الفعل العنيفة مباشرة بنظرة الجمهور للعلامة التجارية الوطنية خلال مباريات جنوب إفريقيا في كأس العالم: "لقد رأيت الكثير من الناس يقولون إنهم لا يريدون دعم جنوب إفريقيا بسبب كل ما يحدث. إنه يشبه المقاطعة العاطفية للبلاد".
التضامن بدلاً من الانسحاب: حسابات تجار التجزئة
من جانبها، رفضت "سوبولا أويليي"، مؤسسة منصة تجزئة منتجات التجميل "بيوتي هارت إفريقيا" (BeautyHut Africa) ومقرها نيجيريا، فكرة المقاطعة كاستراتيجية، رغم إقرارها بخطورة المشكلة الأساسية. وقالت أويليي لـ "BeautyMatter": "هناك مخاوف مشروعة بنسبة 100% بشأن معاملة المهاجرين الأفارقة، وأعتقد أنه يجب معالجة هذه المخاوف بشكل مباشر وحازم للغاية. ومع ذلك، سأكون حذرة للغاية بشأن النظر إلى الانسحاب الاقتصادي كحل طويل الأجل".
وتستند رؤيتها إلى أسباب هيكلية؛ فنيجيريا وجنوب إفريقيا هما، على حد تعبيرها، "من أكبر القوى الاقتصادية والثقافية" في القارة، و"لا يمكن لسوق إفريقية واحدة بمفردها بناء منظومة تجميل قادرة على المنافسة عالمياً". وفيما يتعلق بالمسؤولية، دعت الشركات في جنوب إفريقيا إلى إدانة العنف ضد الأجانب علناً، وحثت الحكومات على تبني سياسات هجرة واضحة، محذرة في الوقت نفسه من المقاطعة لأسباب تجارية: "عندما تفعل ذلك، يبدأ الناس في فقدان وظائفهم، وتتضرر الشركات الصغيرة، وفي نهاية المطاف، تكون الشركات الإفريقية هي من يضر بالشركات الإفريقية الأخرى".
وأكدت أويليي أن الاضطرابات لم تعرقل خطط التوسع في القارة، لكنها أضافت خطوات جديدة لتقييم المخاطر (Due Diligence). وقالت: "لن نتخذ أي قرار بدخول السوق بناءً على هذا الأمر وحده أو بناءً على الخطاب الحالي"، واصفة جنوب إفريقيا بأنها "واحدة من أهم أسواق التجميل في القارة". ومع ذلك، أشارت إلى وجود معايير جديدة غير قابلة للتفاوض قبل استثمار رأس المال في التوسع، تشمل سلامة الموظفين، واستقرار العمليات، وفهم كيفية نظرة المستهلكين الأفارقة إلى الشركات الأجنبية.
يتفق جميع الخبراء على نقطة واحدة: التجارة القائمة على حركة المنتجات فقط، دون حرية موازية لحركة الأفراد، هي تجارة غير مستقرة هيكلياً. وكما قال حفيظي: "عندما تركز التجارة على المنتجات فقط بدلاً من الناس، يصبح التكامل استغلالياً وغير مستقر، وتفشل التجارة في النهاية أو تنتقل إلى بلدان أرخص". ومع استمرار التوقعات بنمو سوق مستحضرات التجميل في جنوب إفريقيا من 4.2 مليار دولار في عام 2026 إلى 5.58 مليار دولار بحلول عام 2031، وفقاً لبيانات "موردور إنتليجنس"، فإن الحافز التجاري للبقاء في السوق يظل قوياً. ومع ذلك، تزداد الضغوط على العلامات التجارية وتجار التجزئة والمستثمرين لتقدير تكلفة عدم الاستقرار كجزء من تكلفة ممارسة الأعمال في أهم ممر لقطاع التجميل في القارة.
النقاش
0 تعليق