حظر الاتحاد الأوروبي للسيليكون الحلقي يمهد لتحول بيئي أوسع
حظر الاتحاد الأوروبي الوشيك للسيليكونات الحلقية يفرض على شركات التجميل إعادة صياغة منتجاتها، مما يشير إلى تحول تنظيمي واسع يركز على البيئة.
يستعد الاتحاد الأوروبي لإنهاء المرحلة الأخيرة من تقييد استخدام السيليكونات الحلقية D4 وD5 وD6 في مستحضرات التجميل. ومع اقتراب الموعد النهائي للتخلص التدريجي منها، يشير هذا الإجراء إلى تحول تنظيمي أوسع نطاقاً ضد المكونات التي تشكل خطراً على البيئة.
وتُستخدم السيليكونات الحلقية (وهي مركبات سيليكون تتكون من وحدات متكررة ومغلقة من السيليكون والأكسجين في بنية حلقية) على نطاق واسع منذ عقود كمحسنات للملمس في منتجات التجميل والعناية الشخصية. ومع ذلك، صنف الاتحاد الأوروبي هذه المواد في السنوات الأخيرة على أنها مركبات ثابتة ومتراكمة حيوياً في البيئة، وفرض قيوداً عليها في فئات مختلفة من المنتجات.
فمنذ عام 2020، حُظر استخدام مركبَي "أوكتاميثيل سيكلوتيتراسيلوكسان" (D4) و"ديكاميثيل سيكلوبنتاسيلوكسان" (D5) في مستحضرات التجميل التي تُشطف بالماء بسبب مخاوف بيئية. وفي عام 2024، وسعت المفوضية الأوروبية نطاق الحظر ليشمل مركب "دوديكاميثيل سيكلوهيكساسيلوكسان" (D6) في المنتجات التي تُشطف بالماء اعتباراً من يونيو 2026، وحظر المركبات الثلاثة معاً في المنتجات التي تُترك على البشرة اعتباراً من يونيو 2027.
وتفصّل لائحة المفوضية الأوروبية (EU) 2024/1328 هذه القيود الشاملة، والتي تعدل الملحق السابع عشر من لائحة الاتحاد الأوروبي الخاصة بـ تسجيل وتقييم وترخيص وتقييد المواد الكيميائية (REACH) رقم 1907/2006.
مخاوف بيئية متزايدة
وصرح جون شاف، المدير العام للاتحاد التجاري "كوسميتيكس يوروب" (Cosmetics Europe): "هناك قصة ظاهرة تتعلق بهذه المجموعة المحددة من المكونات، ولكن هناك قصة أعمق وأكثر أهمية تتعلق بالتوجه العام للتشريعات، وهو ما أراه أكثر إثارة للاهتمام".
وأوضح شاف لمنصة "بيوتي ماتر" (BeautyMatter) أن هذا التوجه يعني أن تقييد المكونات في أوروبا لم يعد يقتصر على دواعي صحة الإنسان فحسب، بل بات يعتمد بشكل متزايد على الأثر البيئي. وأشار إلى أن هذا يمثل "تحولاً جوهرياً" بالنظر إلى الحجم الهائل للمكونات المستخدمة في تركيبات التجميل والعناية الشخصية التي قد تخضع للتقييم البيئي مستقبلاً.
وفقاً للمدير العام، فمن المتوقع أن تستمر القيود المفروضة على المكونات بناءً على تأثيرها البيئي بل وقد تتسع، حيث تعمل لائحة مستحضرات التجميل الأوروبية (CPR) على تقييم المكونات بيئياً بشكل متزايد، بالتوازي مع مواصلة لائحة "ريتش" (REACH) التحقيق في الأثر البيئي للمواد الكيميائية.
وأضاف: "لقد فُتح الباب التنظيمي على مصراعيه لمعالجة قضايا المكونات من منظور بيئي مقارنة بالماضي، وأعتقد أن هناك وعياً عاماً متزايداً بهذا الشأن".
وأشار شاف إلى أن الاتحاد الأوروبي اتخذ بالفعل موقفاً صارماً ضد الجسيمات البلاستيكية الدقيقة (الميكروبلاستيك) في مستحضرات التجميل، مع اقتراب المواعيد النهائية للامتثال في أعوام 2027 و2029 و2035، وهي خطوة تنظيمية يمكن اعتبارها رائدة في هذا التحول البيئي الأوسع.
وتابع قائلاً: "غالباً ما تعود هذه النقاشات لتستهدف مستحضرات التجميل تحديداً. إنها تؤثر بشدة على هذا القطاع بسبب التركيبات المعقدة التي نستخدمها، وحجم التنظيمات الواسعة المطلوبة، وغالباً ما نفتقر إلى بدائل واضحة ومباشرة".
دور مركبات D4 وD5 وD6 في مستحضرات التجميل
على مر السنين، دخلت السيليكونات الحلقية في عدد هائل من تركيبات التجميل والعناية الشخصية, بدءاً من المكياج ومنتجات الشعر وصولاً إلى مضادات التعرق وكريمات الجسم وغيرها. وقد منحت هذه المواد المنتجات ملمساً ناعماً وخصائص ربط وفعالية اعتاد عليها المستهلكون والمصنعون على حد سواء.
وأوضحت كيلي دوبوس، الكيميائية الاستشارية المستقلة المتخصصة في مستحضرات التجميل والأستاذة المساعدة في برنامج علوم التجميل بجامعة سينسيناتي الأمريكية، قائلة: "تمتلك السيليكونات الحلقية خصائص فريدة لا يمكن للمركبات الكيميائية الأخرى مضاهاتها بسهولة. فالتوتر السطحي المنخفض للغاية يتيح لها الانتشار بسرعة والتبخر الخاطف، مما يجعلها ناقلاً ممتازاً للمكونات الفعالة الثقيلة". وأضافت دوبوس لـ "بيوتي ماتر" أن استبدال هذه المكونات قد يتطلب إعادة تقييم لتوقعات الأداء الفعلي للمنتج.
وأشارت إلى أن استبدال السيليكونات الحلقية في المنتجات التي تُترك على البشرة (leave-on) - وهي الفئة التي ستتأثر بالمرحلة النهائية من الحظر - يمثل تحدياً أكبر. وقالت: "في المنتجات الفاخرة وعالية الأداء، قد يكون من الصعب استبدال هذه المكونات دون التأثير على توقعات المستهلكين وتجربتهم المعتادة".
واليوم، تتوفر في الأسواق بدائل عديدة لمركبات D4 وD5 وD6، رغم إجماع قطاع التجميل على عدم وجود بديل مثالي متكامل حتى الآن. ومع ذلك، أكدت دوبوس أن جهوداً حثيثة بُذلت في السنوات الأخيرة لتطوير بدائل مناسبة، وهي جهود مستمرة بلا انقطاع. وقالت: "تبذل شركات توريد المواد الخام جهوداً جبارة لتقديم مركبات كيميائية مبتكرة إلى السوق كبدائل للسيليكونات الحلقية، كما أنها تقوم بالجزء الأكبر من العمل لإثبات كفاءة هذه البدائل عبر البيانات المقارنة، وهو ما يساعد المصنعين كثيراً عند تقييم الخيارات المتاحة".
إعادة صياغة التركيبات: تحدٍ حقيقي
وترى دوبوس أن النهج التدريجي الذي تتبعه هذه القيود كان "مفيداً للغاية لصناعة مستحضرات التجميل"، نظراً لتعقيد عملية استبدال السيليكونات الحلقية، حيث تستغرق أبسط عمليات إعادة الصياغة ما بين ستة أشهر إلى عام كامل.
وقالت دوبوس: "إعادة صياغة التركيبات ليست بالأمر السهل؛ فهي تتطلب فحص المواد الخام، واختبارات الاستقرار والتوافق مع العبوات والتغليف، ومراجعات جديدة للسلامة والامتثال التنظيمي، واختبارات الأداء والادعاءات، ثم تجارب التصنيع والإنتاج واسع النطاق. هناك الكثير من المهام التي يجب إنجازها. وعندما يمنح المشرعون مهلاً زمنية تراعي هذا التعقيد، فإنهم يتيحون للمصنعين فرصة العمل بذكاء واستراتيجية".
واتفقت الدكتورة باربرا بروكواي، المستشارة العلمية في قطاع التجميل والعناية الشخصية وصاحبة شركة "بروكواي للاستشارات"، مع هذا الرأي، مؤكدة أن القيود المفروضة على مركبات D4 وD5 وD6 "تمثل تحدياً حقيقياً بلا شك".
وقالت بروكواي: "هذه المواد لا تقبل الاستبدال المباشر أو البسيط". وأوضحت أن إعادة صياغة المنتجات أو ابتكار منتجات جديدة خالية من السيليكونات الحلقية مع الحفاظ على نفس الخصائص الحسية والملمس يتطلب مهارة عالية، وهي مهارة يجب تقديرها والاستثمار فيها.
وأضافت الخبيرة بنبرة إيجابية: "إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية إيجابية، فإن هذه الأزمة تمنح خبراء التركيبات الأكثر موهبة في القطاع فرصة لإثبات قيمتهم الحقيقية. لذا، يجب على الشركات دعم أفضل كفاءاتها، ومنحهم الحرية للابتكار ومواجهة هذا التحدي".
ووافقتها دوبوس الرأي قائلة: "على الرغم من وجود تحديات واضحة في استبدال السيليكونات الحلقية، إلا أن هذا يمثل أيضاً فرصة للابتكار والاكتشاف. إن استبدال هذه المواد ليس مستحيلاً، ولكنه يتطلب الإبداع والوقت، بل والرغبة في تطوير التركيبات بأكملها بدلاً من مجرد استبدال مكون بآخر".
وأشارت إلى أنه سيكون من المهم للمصنعين التفكير في العمل بمجموعة واسعة من المكونات الجديدة، بالإضافة إلى مزج مكونات بديلة معاً لتحسين الأداء وتلبية المتطلبات بدقة.
المكونات تحت المجهر البيئي
وأوضح شاف أنه من المخيب للآمال بطبيعة الحال بالنسبة لقطاع التجميل أن يتم تقييد تقنية جيدة أو مجموعة من المكونات التي توفر مستويات عالية من الفعالية والأداء. لكنه أكد في الوقت ذاته أن القطاع "لا يدافع عن المكونات التي تضر بالبيئة".
وقال: "نحن قطاع مسؤول وملتزم بالاستدامة، ونقبل هذه الإجراءات التنظيمية. بالطبع، سندافع عن المكونات التي نرى إمكانية الدفاع عنها بناءً على أسس علمية متينة، ولكن عندما ندرك عدم جدوى ذلك، يتعين على القطاع المضي قدماً والبحث عن بدائل".
وبالنظر إلى المستقبل، أشار المدير العام إلى أن الدرس الأوسع للقطاع هو أن المكونات ستخضع على الأرجح لمزيد من التدقيق والقيود بموجب لائحة "ريتش" (REACH)، لا سيما فيما يتعلق بمسألة الثبات والتراكم الحيوي في البيئة. وقد تتسع هذه القيود لتتجاوز حدود أوروبا، حيث تميل العديد من المناطق الأخرى إلى حذو حذو المفوضية الأوروبية عندما تتخذ الخطوة الأولى لتقييد مكون أو تقنية معينة.
وأضاف: "علينا ترقب المزيد من القيود مستقبلاً. أعتقد أن قطاع التجميل بحاجة إلى التفكير بجدية في كيفية الاستعداد والتنبؤ باحتمالية فرض قيود إضافية في المستقبل القريب".
ومن جانب آخر، أشارت خبيرة في صياغة وتشريعات مستحضرات التجميل، فضلت عدم الكشف عن هويتها، إلى أن الأسس العلمية التي استند إليها حظر السيليكونات الحلقية "تشوبها بعض العيوب"، مما يثير مخاوف بشأن قرارات الحظر المستقبلية المحتملة.
وقالت: "الاختبارات مفروضة بموجب لوائح ريتش (REACH)، ومع ذلك، فهي لا تأخذ في الاعتبار تطاير هذه المواد، حيث تُجرى الاختبارات البيئية الإلماسية في نظام مغلق لا يمثل سيناريو الاستخدام الفعلي للمنتج". وأضافت: "بصفتي كيميائية تجميل، أريد تطوير منتجات فعالة ومحبوبة من المستهلكين، وفي الوقت نفسه آمنة عليهم وعلى البيئة المحيطة. ما أطالب به هو أن تعكس الاختبارات ظروف الاستخدام الحقيقي. إننا نشهد حظر مكونات لمجرد أنها أظهرت خطورة بيئية في ظروف اختبار معينة، ولكن إذا كانت تلك الاختبارات لا تمثل سلوك المكونات الفعلي في الطبيعة، فقد ينتهي بنا المطاف إلى حظر مكونات مفيدة دون داعٍ حقيقي".
النقاش
0 تعليق