لوريال تستحوذ على رخصة غوتشي للتجميل بموجب اتفاقية تاريخية لـ 50 عاماً
أعلنت مجموعة كيرينغ عن نقل رخصة غوتشي للتجميل إلى لوريال بموجب اتفاقية حصرية تمتد لنصف قرن، مما ينهي شراكتها مع كوتي مبكراً ويعيد رسم خريطة قطاع التجميل الفاخر.
في 7 يوليو، أعلنت مجموعة "كيرينغ" (Kering) الفرنسية الرائدة في قطاع السلع الفاخرة، عن إبرام اتفاقية ترخيص حصري تاريخية تمتد لـ 50 عاماً مع عملاق التجميل "لوريال" (L'Oréal) لتطوير وإنتاج وتوزيع مستحضرات التجميل والعطور الخاصة بعلامتها التجارية الشهيرة "غوتشي" (Gucci). وستدخل هذه الاتفاقية حيز التنفيذ رسمياً في 1 يوليو 2027، حيث ستتولى لوريال المسؤولية الكاملة عن البحث والتطوير والإنتاج والتوزيع العالمي لجميع فئات عطور ومكياج ومنتجات العناية بالبشرة الخاصة بغوتشي.
وكانت رخصة "غوتشي للتجميل" (Gucci Beauty) مملوكة سابقاً لشركة "كوتي" (Coty)، وكان من المقرر أن تنتهي في 30 يونيو 2028. إلا أن هذا الانتقال تقرر تقديمه عاماً كاملاً بموجب اتفاقية إنهاء مبكر بين كيرينغ وكوتي، ستحصل بموجبها الأخيرة على تعويض مالي قدره 400 مليون دولار.
وقد أثارت هذه الصفقة نقاشاً واسعاً في أوساط صناعة الجمال، ليس فقط بسبب مدتها الاستثنائية التي تبلغ نصف قرن، بل لطرحها سؤالاً جوهرياً: لماذا قررت كيرينغ الاستغناء عن كوتي قبل عام من نهاية العقد، رغم أن كوتي نجحت في زيادة مبيعات غوتشي للتجميل بأكثر من 60%؟
لماذا الانفصال المبكر؟ عقد كوتي وعقبات كيرينغ الاستراتيجية
بدأ التعاون بين كوتي وغوتشي في عام 2016. ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن كوتي، سجلت مبيعات غوتشي للتجميل نمواً تجاوز 60% منذ عام 2019. وخلال هذا العقد، تحولت مجموعات عطور مثل Flora وBloom وGuilty وThe Alchemist's Garden إلى علامات تجارية مستقرة وناجحة عالمياً.
لكن هذه الأرقام الإيجابية لم تحجب المشكلات الهيكلية العميقة.
أولاً، تواجه شركة كوتي نفسها تحديات مالية صعبة. فخلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2026 (المنتهية في 31 مارس 2026)، تراجع صافي إيرادات كوتي بنسبة 2% ليصل إلى 4.537 مليار دولار، مع تسجيل صافي خسائر بلغ 473.7 مليون دولار. وفي الربع الثالث وحده، بلغت الإيرادات 1.281 مليار دولار (بانخفاض 1% اسمياً و7% على أساس المقارنة المثلية)، مع خسارة صافية بلغت 411.4 مليون دولار، في حين وصل إجمالي ديون الشركة إلى 32.16 مليار دولار.
وتشير بيانات القطاع إلى أن غوتشي للتجميل تمثل حوالي 8% من إجمالي مبيعات كوتي و11% من أرباحها، مما يجعلها درة التاج للشركة. ومع ذلك، لم يكن هذا البريق كافياً لتغطية التباطؤ العام الذي تشهده كوتي.
ثانياً، يواجه نموذج الترخيص الذي تعتمد عليه كوتي قيوداً هيكلية. وبصفتها واحدة من أكبر مشغلي تراخيص التجميل في العالم، تدير كوتي أكثر من 50 علامة تجارية لا تملكها بل تديرها بالوكالة. ويتميز هذا النموذج بمرونته وقلة الأصول المطلوبة للتوسع السريع، لكن عيبه الأكبر يكمن في أن المشغل يمتلك حقوق الإدارة فقط دون الملكية الفكرية. وعندما تقرر العلامة التجارية الأم ترقية استراتيجيتها، يعجز المرخص له عن مواكبة هذه التطلعات مهما بلغت كفاءته التشغيلية.
أما السبب الأعمق فيعود إلى التحول الاستراتيجي لمجموعة كيرينغ. ففي عام 2023، استحوذت كيرينغ على دار العطور الفاخرة "كريد" (Creed) مقابل 3.5 مليار يورو لتأسيس قسم خاص بمستحضرات التجميل بهدف بناء إمبراطوريتها الخاصة. ولكن بعد عامين فقط، تخلت عن هذه الخطة وباعت القسم بأكمله مع علامة كريد مقابل 4 مليارات يورو. وفي النصف الأول من عام 2025، انخفضت إيرادات كيرينغ بنسبة 16% لتصل إلى 7.587 مليار يورو، وتراجع صافي أرباحها بنسبة 46% إلى 474 مليون يورو. كما تراجعت إيرادات غوتشي بنسبة 26% لتصل إلى 3.027 مليار يورو، لتعود إلى مستويات عام 2017. وبحلول نهاية يونيو 2025، بلغ صافي ديون المجموعة 9.5 مليار يورو، بالإضافة إلى 6 مليارات يورو من التزامات الإيجار طويلة الأجل.
وفي ظل الضغوط الاقتصادية التي يشهده قطاع السلع الفاخرة عالمياً، تحتاج كيرينغ إلى شريك يمتلك القدرة على دفع غوتشي للتجميل من فئة "المليار يورو" إلى فئة "عدة مليارات". ورغم أن كوتي كانت قادرة على ضمان نمو مستقر، إلا أنها لم تكن تمتلك القدرة على إطلاق كامل الإمكانات الكامنة لعلامة غوتشي الفاخرة. وبالتالي، فإن إنهاء الشراكة مبكراً يمثل قراراً استراتيجياً من كيرينغ لاختيار الشريك الأقدر على قيادة العلامة نحو آفاق أوسع.
لماذا التحالف؟ كيرينغ تبحث عن السيولة ولوريال توسع نفوذها
بالنسبة لمجموعة كيرينغ، لا تعد لوريال شريكاً غريباً.
ففي عام 2008، استحوذت لوريال على شركة "إيف سان لوران للتجميل" (YSL Beauty) من مجموعة PPR (الاسم السابق لمجموعة كيرينغ) مقابل 1.15 مليار يورو، وحصلت على ترخيص حصري طويل الأجل لاستخدام العلامة التجارية. وخلال العقدين التاليين، نجحت لوريال في تحويل "إيف سان لوران للتجميل" إلى واحدة من أنجح العلامات التجارية الفاخرة في العالم.
وقد صرح جان فرانسوا دي ميو، الرئيس التنفيذي لمجموعة كيرينغ، بوضوح أن المجموعة تطمح إلى تكرار قصة نجاح "إيف سان لوران" مع غوتشي للتجميل، بهدف "تسريع نمو العلامات التجارية الرئيسية للمجموعة في فئتي العطور والتجميل". ومن خلال آلية الترخيص طويل الأجل، ستتمكن كيرينغ من توفير تدفقات نقدية فورية لتخفيف الضغوط المالية، مع الاستفادة من عوائد النمو في قطاع التجميل الفاخر بنموذج قليل الأصول ومنخفض المخاطر.
أما بالنسبة لمجموعة لوريال، فإن الاستحواذ على رخصة غوتشي يحمل قيمة استراتيجية واضحة.
فمع ضم غوتشي، ستسيطر لوريال على تراخيص التجميل لأربع من كبرى العلامات التجارية التابعة لمجموعة كيرينغ: إيف سان لوران، وغوتشي، وبوتيغا فينيتا، وبالنسياغا، مما يعزز مكانتها الريادية في قطاع التجميل الفاخر. وفي الوقت نفسه، سجل قسم المنتجات الفاخرة في لوريال نمواً بنسبة 2.8% في عام 2025، وتسارع هذا النمو في النصف الثاني ليصل إلى 3.6%، متفوقاً بشكل كبير على معدل نمو سوق مستحضرات التجميل الفاخرة الذي بلغ حوالي 1%. وستشكل غوتشي محركاً جديداً لهذا النمو. وأشار سيريل شابوي، رئيس قسم لوريال الفاخرة، إلى أن المجموعة "ستدمج الطابع العصري المبتكر لغوتشي مع القدرات التشغيلية العالمية للوريال لبناء علامة تجارية جديدة بمليارات اليوروهات".
ومع ذلك، تواجه غوتشي للتجميل تحديات واضحة في السوق الصينية مقارنة بالبنية التحتية الناضجة لمنافسيها في قطاع التجميل الفاخر. فخلال فترة إدارة كوتي، عانت العلامة من انتشار قنوات التوزيع العشوائية عبر الإنترنت، والاعتماد المفرط على حملات الترويج عبر البث المباشر لبيع العطور منخفضة السعر، مما أضعف صورتها كعلامة تجارية فائقة الفخامة وجعل المستهلك الصيني يصنفها كعلامة تجارية متوسطة الفخامة، فضلاً عن بطء وتيرة تحديث خطوط المكياج مقارنة بالمنافسين.
وبالنظر إلى خبرة لوريال الواسعة في إدارة العلامات التجارية الفاخرة في الصين، يُتوقع أن تشهد غوتشي للتجميل عملية إعادة هيكلة شاملة لقنوات التوزيع بعد إتمام الصفقة في عام 2027. وسيشمل ذلك تقليص قنوات التوزيع الرقمية الموجهة للجمهور العام، وإغلاق منافذ الموزعين الصغار غير المؤهلين، والتركيز بدلاً من ذلك على ثلاثة مسارات رئيسية: المتاجر المباشرة في مراكز التسوق الراقية، والسوق الحرة للمسافرين، وقنوات البيع الخاصة الموجهة للعملاء ذوي الملاءة المالية العالية. كما سيتم استبعاد المنتجات الرخيصة التي تعتمد على حجم المبيعات فقط، لصالح إطلاق مجموعات حصرية من المكياج والعطور بأسعار مرتفعة لإعادة ترسيخ مكانة العلامة الفاخرة.
عقد الـ 50 عاماً يعيد تعريف تراخيص التجميل
يعكس العقد الممتد لنصف قرن بين غوتشي ولوريال توجهاً جديداً في قطاع تراخيص التجميل للعلامات الفاخرة، حيث تتحول العلاقة من "التجربة قصيرة المدى" إلى "التعايش طويل الأجل".
وخلال العقد الماضي، كانت المجموعات الفاخرة تتبنى نهجاً حذراً تجاه تراخيص التجميل، حيث كانت تفضل عقوداً تتراوح بين 10 إلى 20 عاماً لضمان عوائد مستقرة مع الاحتفاظ بمرونة استعادة الإدارة الذاتية مستقبلاً. لكن قرار كيرينغ الأخير يشير إلى تحول جذري في هذا التفكير.
ويعود هذا التحول إلى الارتفاع الكبير في حواجز المنافسة داخل صناعة التجميل.
ووفقاً للتقرير المالي لشركة لوريال لعام 2025، بلغ حجم إنفاقها على البحث والتطوير حوالي 1.3 مليار يورو، وهو ما يعادل أكثر من 22% من إجمالي صافي إيرادات كوتي السنوية. وفي مجالات مثل مستحضرات التجميل ذات الفعالية العلاجية، والمكونات المستدامة، وتطوير التركيبات القائمة على الذكاء الاصطناعي، تمتلك عمالقة التجميل تراكمات تكنولوجية واستثمارات مالية ضخمة لا يمكن لأي قسم تجميل ذاتي تابع لعلامة فاخرة بمفردها مجاراتها.
وفي الوقت نفسه، تشهد قنوات التوزيع العالمية لمستحضرات التجميل إعادة تشكيل مستمرة. فكل قناة—سواء كانت التجارة الإلكترونية، أو تجارة التجزئة للسفر، أو التجارة الاجتماعية—تتطلب قدرات تشغيلية مستقلة واستثمارات ضخمة. وتشير تحليلات القطاع إلى أن تكاليف التسويق لعلامات التجميل تجاوزت عموماً 30% من الإيرادات، مما يجعل الإدارة الذاتية للعلامات التي تفتقر إلى وفورات الحجم أمراً غير مجدٍ اقتصادياً.
وفي هذا السياق، تجد المجموعات الفاخرة الكبرى نفسها أمام خيار استراتيجي: إما استثمار مبالغ طائلة لبناء قدراتها الذاتية في قطاع التجميل، أو تسليم حقوق التشغيل لمجموعات متخصصة لضمان عوائد أكثر كفاءة واستدامة. وفي حين تسعى العلامات التجارية الأصغر حجماً لتأمين استثمارات خارجية لمواجهة تكاليف التوسع، مثل علامة Apothékary التي جمعت مؤخراً 16 مليون دولار لتعزيز نموها في قطاع التجزئة والابتكار، فإن العمالقة يفضلون التحالفات الكبرى طويلة الأجل.
وقد جاء خيار كيرينغ ليؤكد هذا التوجه، لكن مع فارق جوهري: المجموعة لم تتخلَّ عن السيطرة بالكامل. فبموجب اتفاقية التحالف الاستراتيجي الموقعة في أكتوبر 2025، ستؤسس كيرينغ ولوريال شركة مشتركة بنسبة 50/50 لاستكشاف الفرص التجارية في مجالات علوم الصحة وإطالة العمر، إلى جانب تشكيل لجنة استراتيجية لضمان التنسيق الفعال بين العلامة التجارية والجهة المشغلة.
ويشير هذا الترتيب إلى تحول أعمق في طبيعة العلاقة بين العلامات الفاخرة ومشغلي مستحضرات التجميل، حيث تتحول من علاقة "مُرخِّص ومُرخَّص له" إلى "شراكة مصيرية وتكامل للمصالح". ولم تعد العلامة التجارية مجرد طرف يحصل على رسوم الترخيص دون تدخل، بل أصبحت شريكاً يساهم بعمق في توجيه المنتجات وتحديد هوية العلامة التجارية عبر آليات مثل المشاريع المشتركة واللجان الاستراتيجية.
ويبقى السؤال المطروح: هل سيصبح نموذج "التشغيل الخارجي مع الاحتفاظ بالسيطرة على هوية العلامة" هو النموذج السائد لمستقبل تراخيص التجميل الفاخرة؟ المؤكد أن هذه الاتفاقية الممتدة لـ 50 عاماً والتي بدأت مع غوتشي ليست سوى بداية لمرحلة جديدة من التحولات الكبرى في الصناعة.




النقاش
0 تعليق