مجموعة لوريال تعيد هيكلة قنواتها الرقمية وتغلق المواقع الإلكترونية لعلاماتها في هونغ كونغ
قرار مجموعة لوريال بإغلاق المواقع الإلكترونية لعلامات تجارية كبرى مثل لانكوم وأرماني في هونغ كونغ يعكس تحولاً استراتيجياً نحو دمج العمليات الرقمية مع البر الرئيسي للصين لمواجهة تكاليف التشغيل المرتفعة.
أعلنت مجموعة لوريال (L'Oréal) مؤخراً أن عدداً من علاماتها التجارية البارزة، بما في ذلك لانكوم (Lancôme)، وإيف سان لوران (YSL)، وجورجيو أرماني (Armani)، وإيسوب (Aesop)، وكيلز (Kiehl's)، وشو ايمورا (Shu Uemura)، وهيلين روبنشتاين (Helena Rubinstein)، ستغلق مواقعها الإلكترونية الرسمية في هونغ كونغ اعتباراً من 18 أغسطس 2026، لتنهي بذلك خدمات التجارة الإلكترونية المحلية المباشرة في المدينة.
وأوضح البيان الصادر عن المجموعة أن هذا الإجراء لا يعني الانسحاب من السوق، بل هو إعادة هيكلة استراتيجية لقنوات التجارة الإلكترونية الإقليمية. وسيكون بمقدور المستهلكين في هونغ كونغ مواصلة شراء المنتجات عبر ثلاثة منافذ رئيسية: المتجر الرسمي على منصة "تي مول" (Tmall) الصينية للتجارة الإلكترونية، والمتاجر الفعلية، ومنصات البيع المباشر في جميع أنحاء هونغ كونغ.
كما أكدت المجموعة أن نقاط العضوية الحالية لن تتأثر ويمكن استبدالها واستخدامها بشكل طبيعي في المتاجر الفعلية، مما يهدئ مخاوف المستهلكين من انسحاب العلامات التجارية.
تأثير الدومينو: تراجع جماعي لعلامات التجميل الأجنبية في هونغ كونغ
في الواقع، لم تكن هذه الخطوة مفاجئة؛ ففي يوليو 2025، انتشرت تقارير على منصة "شياو هونغ شو" (Xiaohongshu) - وهي منصة صينية شهيرة لأسلوب الحياة والتسوق - تفيد بأن لوريال تخطط لتقليص قوتها العاملة في هونغ كونغ بنسبة 90%، مما أثار قلقاً واسعاً في السوق. ورغم أن لوريال الصين نفت صحة هذه الأرقام حينها، إلا أنها أقرت بأنها تمر بمرحلة "تحول لبناء نموذج تشغيلي جديد يعزز التكامل والتعاون بين هيكلها التنظيمي في هونغ كونغ والبر الرئيسي للصين".
ولم تكن لوريال الأولى في هذا المسار التراجعي.
ففي عام 2025، كشفت وسائل إعلام في هونغ كونغ أن مجموعة إستي لودر (Estée Lauder) قامت بتسريح مئات الموظفين وإغلاق بعض متاجرها الفعلية، مع دمج عملياتها في هونغ كونغ وتايوان ونقل وظائف الدعم الإداري تدريجياً إلى مدينة غوانغتشو في البر الرئيسي. وفي الوقت نفسه، أغلقت علامتها التجارية "أوريجينز" (Origins) جميع منصاتها الفعلية في هونغ كونغ في يونيو 2026، مكتفية بالقنوات الرقمية، بينما توقف الموقع الرسمي لعلامة "كلينيك" (Clinique) في هونغ كونغ عن العمل تماماً في 24 يوليو 2026. ويأتي هذا التقليص في وقت تشهد فيه الصناعة موجة تسريحات وإعادة هيكلة واسعة النطاق؛ حيث تجتاح قطاع التجميل موجة من التغيرات الهيكلية والتوظيف الاستراتيجي شملت تسريح آلاف الموظفين لدى شركات عالمية كبرى بالتوازي مع تركيز الاستثمارات في الكفاءات الرقمية والتقنية.
وقبل ذلك، أنهت علامة التجميل الفاخرة "إيست" (EST) التابعة لمجموعة "كاو" (Kao) اليابانية عملياتها بالكامل في هونغ كونغ في 31 أغسطس 2024، بعد إغلاق متجرها الفعلي في لانغهام بليس في يناير من العام نفسه.
هذا التحول الجماعي لعلامات التجميل الأجنبية - من اليابانية إلى الأوروبية والأمريكية، ومن العناية الفاخرة بالبشرة إلى المكياج والعطور - لم يعد مجرد تكتيك فردي لشركة بعينها، بل بات توجهاً استراتيجياً عاماً في صناعة الجمال.
على مدى عقود، كانت هونغ كونغ بمثابة "جسر العبور" للعلامات التجارية الدولية لدخول سوق البر الرئيسي للصين، مستفيدة من سياسة الميناء الحر، وبيئة الأعمال العالمية، والبنية التحتية المتطورة لتجارة التجزئة. ولكن مع نمو سوق التجميل في البر الرئيسي ليصبح من الأكبر عالمياً، وتفوق قدراته التشغيلية والرقمية، تراجعت القيمة المحورية لهونغ كونغ كمركز ترانزيت. وأصبحت الفرق التشغيلية المستقلة التي أُنشئت سابقاً للتكيف مع البيئات التنظيمية المختلفة تواجه تكاليف تشغيلية باهظة وغياباً لوفورات الحجم بسبب صغر حجم السوق المحلية.
ومع دخول قطاع التجميل العالمي دورة خفض التكاليف وزيادة الكفاءة، أصبح دمج الهياكل الإقليمية وتركيز الموارد في الأسواق الرئيسية خياراً حتمياً للشركات الكبرى.
الضغوط الثلاثة: لماذا تعاني التجارة الإلكترونية المحلية في هونغ كونغ؟
بالنظر إلى قرار لوريال، يظهر بوضوح أن المجموعة أعادت تقييم عائد الاستثمار لقنوات التجارة الإلكترونية المحلية في هونغ كونغ تحت وطأة ثلاثة ضغوط واقعية:
الضغط الأول: تفوق التجارة الإلكترونية عبر الحدود على المواقع المحلية
نظراً لمحدودية حجم السوق في هونغ كونغ، تعاني المواقع الرسمية المستقلة للعلامات التجارية من ضعف حركة المرور ومحدودية قاعدة المستخدمين. وفي المقابل، ومع تطور الأنظمة اللوجستية وسرعة الشحن، تجذب منصات التجارة الإلكترونية الكبرى في البر الرئيسي الصيني مستهلكي هونغ كونغ بفضل تنوع علاماتها، ومرونة عروضها الترويجية، وقدراتها التشغيلية الفائقة.
ويظهر تفاعل المستهلكين على وسائل التواصل الاجتماعي هذا التحول بوضوح؛ إذ يشير الكثير منهم إلى أن منصات مثل "تي مول" و"تاوباو" توفر الآن شحناً مجانياً إلى هونغ كونغ، ومع العروض الترويجية الكبرى واستخدام قسائم الشراء، تصبح الأسعار أفضل بكثير من المواقع المحلية للعلامات، فضلاً عن الهدايا الإضافية والمزايا الحصرية المرتبطة بالمشاهير والمسوقين التي تجذب المتسوقين الشباب.
علاوة على ذلك، وباعتبار هونغ كونغ ميناءً حراً خالياً من الرسوم الجمركية على الواردات، يمكن للمستهلكين تسوق مستحضرات التجميل العالمية بسهولة من مختلف دول العالم، مما يضيق الخناق على المواقع المحلية التي تلتزم بأسعار المتاجر الفعلية ولا تقدم خصومات تذكر. بالنسبة للوريال، فإن توجيه حركة المرور نحو متجر "تي مول" الرسمي الموحد يمثل خياراً أكثر كفاءة لخدمة منطقة الصين الكبرى بأكملها بنظام تشغيلي واحد متطور.
الضغط الثاني: ارتفاع تكاليف التشغيل وغياب وفورات الحجم
تمثل تكاليف التشغيل المرتفعة في هونغ كونغ (من تخزين، وعمالة، وتسويق، وصيانة تقنية) تحدياً كبيراً للشركات. ولا يمكن لقاعدة المستهلكين المحلية المحدودة أن تغطي هذه التكاليف الثابتة المرتفعة لإدارة مواقع لوجستية وتشغيلية مستقلة لكل علامة تجارية.
في المقابل، يتمتع قطاع التجارة الإلكترونية في البر الرئيسي الصيني بقدرات رقمية وتسويقية رائدة عالمياً. وقد أشارت لوريال في بيانها إلى أن الهيكل الجديد يهدف إلى الجمع بين "خبرة هونغ كونغ في قطاع التجزئة وقوة البر الرئيسي في المجال الرقمي والتجارة الإلكترونية"، مما يؤكد انتقال مركز ثقل العمليات الرقمية للمجموعة نحو البر الرئيسي.
الضغط الثالث: تشتت القوة الشرائية للمستهلكين المحليين والسياح
تعتمد تجارة التجزئة لمستحضرات التجميل في هونغ كونغ تاريخياً على استهلاك السكان المحليين والزوار الوافدين. لكن سلوكيات هاتين الفئتين شهدت تغيرات عميقة:
من ناحية، أصبح سفر سكان هونغ كونغ إلى البر الرئيسي (وخاصة مدينة شينزين المجاورة) للتسوق أمراً معتاداً بفضل سهولة المواصلات وتنوع الخيارات التجارية والأسعار التنافسية في البر الرئيسي.
ومن ناحية أخرى، تغير نمط تسوق السياح القادمين من البر الرئيسي. ففي السابق، كان شراء مستحضرات التجميل من هونغ كونغ مرادفاً لـ "الأصالة والسعر الرخيص". أما اليوم، ومع خفض الرسوم الجمركية على الواردات في الصين، ونضوج قنوات التجارة الإلكترونية عبر الحدود، وتطور أسواق الأسواق الحرة داخل المدن والمطارات، تلاشت الميزة السعرية لهونغ كونغ، وأصبح السياح أكثر عقلانية في قرارات الشراء. ومع هجرة القوة الشرائية الرقمية للطرفين نحو منصات البر الرئيسي، تراجعت الجدوى الاقتصادية للتجارة الإلكترونية المحلية في هونغ كونغ.
ليس انسحاباً، بل ارتقاء بالقيمة الاستراتيجية
يعكس إغلاق المواقع الإلكترونية لعلامات لوريال في هونغ كونغ تحولاً أوسع في نموذج أعمال قطاع التجميل ككل:
أولاً، عصر المواقع الإلكترونية المستقلة للعلامات التجارية يتراجع. فمع نضوج منصات مثل تي مول، وجي دي دوت كوم (JD.com)، ودويين (Douyin - النسخة الصينية من تيك توك) في بناء البنية التحتية وتثقيف المستهلكين، أصبحت تكلفة صيانة موقع مستقل تفوق بكثير العوائد الإضافية التي يحققها.
ثانياً، الحدود بين الأسواق الإقليمية تتلاشى. إن التكامل العميق لمنطقة خليج غوانغدونغ-هونغ كونغ-ماكاو الكبرى جعل الحدود الجغرافية بين هونغ كونغ والبر الرئيسي أقل وضوحاً في سلوك المستهلكين. ودمج لوريال لفرقي العمل في هونغ كونغ والبر الرئيسي، ودمج إستي لودر لعمليات هونغ كونغ وتايوان، يشير إلى أن تقسيم الأسواق يعاد تعريفه بناءً على "حدود الكفاءة" لا "الحدود الجغرافية".
ثالثاً، الكفاءة تحل محل التوسع كأولوية قصوى. فبعد عقود من السعي وراء التوسع الكمي (مزيد من المتاجر والقنوات)، تركز المجموعات الكبرى الآن على تبسيط الهياكل وتركيز الموارد لزيادة الفعالية التشغيلية.
ومع ذلك، لن تفقد هونغ كونغ قيمتها؛ بل ستظل نافذة حيوية تربط السوق الصينية بالعالم، وساحة مثالية لاختبار المفاهيم الفاخرة، وإطلاق المنتجات الحصرية والمحدودة، وتجربة نماذج التجزئة المبتكرة. إنها تتحول من منصة للمبيعات الضخمة إلى مركز لبناء قيمة العلامة التجارية وتقديم الخدمات الراقية والتجارب المبتكرة ذات القيمة المضافة العالية.





النقاش
0 تعليق