الصين تطلق حقبة التنظيم الصارم للتجارة الإلكترونية عبر البث المباشر
حملة التدقيق الضريبي والتشريعات الجديدة في الصين تنهي فوضى البث المباشر وتفرض معايير صارمة على العلامات التجارية والمؤثرين لحماية السوق.
قبل بضع سنوات، انتشر على نطاق واسع مقطع فيديو لريتشارد ليو (ليو تشيانغ دونغ)، مؤسس عملاق التجارة الإلكترونية الصيني JD.com، يناقش فيه "لماذا تتفوق التجارة الإلكترونية على المتاجر التقليدية". وأشار حينها إلى أن إعفاء صغار البائعين عبر الإنترنت من الضرائب يمثل عدم عدالة صارخة تجاه قنوات البيع التقليدية على أرض الواقع.
اليوم، تجتاح عاصفة من التدقيق الضريبي منصات التجارة الإلكترونية في الصين، وتستهدف بشكل خاص قنوات التجارة عبر البث المباشر (Livestream Commerce). ووفقاً للبيانات الأخيرة الصادرة عن مصلحة الضرائب الحكومية في الصين، تم الإعلان عن عشر حالات تهرب ضريبي لنجوم البث المباشر، بإجمالي مبالغ متهرب منها بلغت 23.23 مليون يوان (نحو 3.2 مليون دولار أمريكي). ويمتلك بعض هؤلاء المؤثرين ملايين المتابعين وتتجاوز مبيعاتهم مئات الملايين من اليوانات، لكن مساهماتهم الضريبية كانت شبه معدومة، مما جعلهم عبرة لقطاع بأكمله.
بالتزامن مع ذلك، تم إصدار مسودة تعديل "قانون التجارة الإلكترونية لجمهورية الصين الشعبية" مؤخراً. ويعزز هذا التعديل المسؤولية الرقابية لمنصات التجارة الإلكترونية على البائعين النشطين فيها، ويسد الفجوات التنظيمية في المجالات الناشئة مثل التجارة عبر البث المباشر والتجارة الإلكترونية عبر الحدود.
وسواء كان ذلك من خلال الملاحقة الصارمة للتهرب الضريبي أو سن قوانين جديدة، فإن كل المؤشرات تؤكد أن قطاع التجارة عبر البث المباشر قد دخل رسمياً "حقبة التنظيم الصارم".
جني أرباح الطفرة الرقمية دون تحمل المسؤولية الاجتماعية
في الفيديو المذكور سابقاً، تطرق ريتشارد ليو أيضاً إلى تأثير التجارة الإلكترونية على التوظيف، قائلاً: "نموذج التجارة الإلكترونية هو بلا شك أكثر تقدماً من تجارة التجزئة التقليدية؛ إذ يمكن لطالب جامعي يدير متجراً صغيراً عبر الإنترنت أن ينجز بمفرده عمل ثلاثة أشخاص في النظام التقليدي. ولكن من زاوية أخرى، إذا وفرت التجارة الإلكترونية 10 ملايين وظيفة، فإن القنوات التقليدية قد تفقد في المقابل 20 مليون وظيفة".
بالمقارنة مع منصات التجارة الإلكترونية التقليدية القائمة على عرض المنتجات على الرفوف الرقمية، تتميز التجارة عبر البث المباشر بكفاءة بيع أعلى بكثير. على سبيل المثال، يمتلك المروج "يي شيو" (الاسم الحقيقي تشن شو)، الذي كُشف مؤخراً عن تهربه الضريبي، قرابة مليون متابع على منصة "دويين" (Douyin - النسخة الصينية من تيك توك). وكان يدير بثه المباشر من منزله دون الحاجة لاستئجار مكتب، وبفريق عمل يتكون من موظف واحد وجهاز كمبيوتر واحد فقط. ومع ذلك، بلغت عمولاته من البث المباشر بين عامي 2022 و2024 نحو 7.72 مليون يوان (حوالي 1.06 مليون دولار). وبافتراض أن نسبة عمولته تبلغ 30%، فإن حجم المبيعات التي حققها خلال ثلاث سنوات يقدر بنحو 25.73 مليون يوان، وهو ما يعادل مبيعات عشرات المتاجر العائلية التقليدية مجتمعة.
لهذا السبب تحديداً، وبينما كانت التجارة عبر البث المباشر تحقق نمواً متسارعاً في السنوات الأخيرة، واجهت المتاجر الفعلية موجة إغلاقات واسعة. على سبيل المثال، تقلص عدد فروع سلسلة "واتسونس" (Watsons) الشهيرة في السوق الصينية من 4179 فرعاً في عام 2021 إلى 3465 فرعاً في عام 2025، مما يعني خسارة 714 متجراً في غضون أربع سنوات فقط. وإذا كان هذا هو حال السلاسل الرائدة، فإن معاناة متاجر التجزئة الصغيرة والمتوسطة كانت أشد قسوة بكثير.
وتشير بيانات مؤسسة "جوتشيان" (Jiuqian) إلى أنه في الشهرين الأولين من عام 2026 وحدهما، تراجع عدد متاجر مستحضرات التجميل متعددة العلامات التجارية في الصين بأكثر من 3500 متجر، كما انخفض عدد منصات عرض العلامات التجارية في مراكز التسوق بأكثر من 1100 منصة. وقد ذهبت الحصة السوقية لهذه المنافذ المغلقة بالكامل تقريباً لصالح قنوات البث المباشر.
ورغم جني هؤلاء المؤثرين لأرباح هائلة من هذه الطفرة السوقية، إلا أن الكثير منهم تهرب من مسؤولياته الاجتماعية والضريبية. فالمروج "يي شيو" المذكور سابقاً، والذي تجاوز دخله 7 ملايين يوان، لم يدفع سوى بضع مئات من اليوانات كضرائب على مدار ثلاث سنوات.
أما المؤثر الآخر "فنغ غي جيا" (الاسم الحقيقي غو شياو فنغ)، الذي يتابعه أكثر من 2.5 مليون شخص على دويين، فقد حصل على عمولات تقارب 4 ملايين يوان بين عامي 2021 و2024، لكنه لم يسدد سوى 13,500 يوان فقط كضرائب.
ولجأ بعض المؤثرين إلى تأسيس شركات وهمية للتهرب من الضرائب. ومن الأمثلة التي كشفتها السلطات مؤخراً شركة "Liaocheng Development Zone Naipao Trading Department"، وهي شركة صورية بلا مقر فعلي أو موظفين أو سجلات حقيقية، وتعود ملكيتها الفعلية للمؤثرة الشهيرة "أن ران" (Anran).
تمتلك "أن ران" نحو 9 ملايين متابع على دويين، وتدير علامتها التجارية الخاصة لمستحضرات التجميل "ديانتي" (Daiandi). وخلال عامي 2023 و2024، كانت الشركة الصورية المذكورة هي الكيان الفعلي المشغل للعلامة التجارية، حيث باعت أكثر من 1.18 مليون قطعة بقيمة مبيعات تقديرية تجاوزت 150 مليون يوان (نحو 20.7 مليون دولار)، دون دفع أي ضرائب. ولإخفاء معالم الجريمة، قامت الشركة بتصفية الكيان القانوني وإلغاء تسجيله في عام 2024.
الجدير بالذكر أن ظاهرة التهرب الضريبي كانت شائعة للغاية في قطاع البث المباشر خلال السنوات الماضية، وطالت أسماء كبرى. ففي عام 2021، غُرّمت المؤثرة الشهيرة على منصة تاوباو (Taobao) "فيا" (Viya) بنحو 700 مليون يوان بسبب التهرب الضريبي. وفي العام نفسه، واجهت المؤثرة "شيري" (Cherie) غرامات بقيمة 30.37 مليون يوان لنفس السبب. وفي عام 2025، تمت مطالبة الثنائي "شياو ينغ" (Xiaoying Husband and Wife) على منصة دويين بسداد 17.82 مليون يوان كضرائب متأخرة مع غرامة بلغت 5.97 مليون يوان. هذا التدقيق التنظيمي المتزايد لا يقتصر على الضرائب فحسب، بل يمتد ليشمل فحصاً دقيقاً للشركات التي تعتمد بشكل مفرط على المؤثرين للترويج لمنتجاتها، كما هو الحال مع علامات تجارية واجهت صعوبات مماثلة مثل علامة العناية بالفم Canban التي خضعت لتدقيق صيني صارم بعد تراجع زخم المؤثرين.
حرب الأسعار وتدني الجودة: تهديد حقيقي لسلامة القطاع
بالنسبة لقطاع مستحضرات التجميل، لا يقتصر تأثير التهرب الضريبي في البث المباشر على الإخلال بالمنافسة العادلة وإضعاف قنوات التجزئة التقليدية فحسب، بل إن "حرب الأسعار الشرسة" وتدني جودة المنتجات يمثلان ضربة أقوى بكثير لبنية القطاع.
ونظراً لطبيعة قنوات البث المباشر، ابتكرت بعض الشركات استراتيجيات تعتمد كلياً على شراء حركة المرور الرقمية (Traffic)، مما أدى إلى ظهور ما يُعرف بـ "العلامات التجارية البيضاء" (White-label Brands - وهي علامات تجارية غير معروفة تبيع منتجات رخيصة بدون هوية قوية). تعتمد هذه العلامات على طرح منتج واحد أو اثنين بأسعار منخفضة للغاية، وتضخ ميزانيات ضخمة في الإعلانات المدفوعة لزيادة المبيعات بسرعة فائقة. ويكشف خبراء القطاع أن العديد من هذه العلامات التجارية تخصص ما يصل إلى 80% من إيرادات مبيعاتها فقط لشراء حركة المرور الرقمية.
وقد أدى هذا الأسلوب بشكل مباشر إلى تضخم تكاليف الإعلانات الرقمية. ووفقاً لأحد التجار في هذا المجال، ارتفعت تكلفة الألف ظهور (CPM) للبث المباشر على منصة دويين في عام 2025 لتصل إلى 80 يواناً، بزيادة قدرها 300% مقارنة بعام 2022، في حين انخفضت معدلات التحويل (Conversion Rates) من 5% إلى 1.2% فقط.
ونتيجة لتوجيه معظم الميزانيات لشراء الإعلانات، تضطر هذه العلامات التجارية إلى خفض تكاليف الإنتاج إلى أقصى حد. ويكشف صاحب مصنع لمستحضرات التجميل يتعامل مع هذه الشركات أن مديري المنتجات يأتون للمصنع لاختيار التركيبات دون الاهتمام بجودة المواد الخام أو الفعالية، بل ينصب تركيزهم بالكامل على السعر الأدنى. هذا الضغط المستمر لخفض التكاليف أدى إلى ظهور مشكلات جودة لا حصر لها في المنتجات المباعة عبر البث المباشر.
ومن بين المؤثرين الذين تم التحقيق معهم بتهمة التهرب الضريبي، هناك من واجهوا سابقاً فضائح تتعلق بجودة المنتجات. على سبيل المثال، كشف أحد صناع المحتوى المتخصصين في تقييم المنتجات في يناير الماضي أن المؤثرة "وين وان" (Wenwan)، التي يتابعها أكثر من 5.6 مليون شخص على دويين، كانت تبيع منتجات مقلدة ومغشوشة في بثها المباشر، مثل معاطف ريش ادعت أنها تحتوي على 90% من ريش البط الأبيض، بينما كشفت التحاليل المخبرية أن النسبة الحقيقية لا تتعدى 45.3%.
وبعد انكشاف الأمر إعلامياً، سارعت "وين وان" لحذف المنتج من متجرها، تاركة المستهلكين دون أي وسيلة للتعويض. ومؤخراً، عادت لتتصدر العناوين بسبب التهرب الضريبي؛ حيث كشفت مصلحة الضرائب أنها استخدمت شركات وهمية لتحويل دخلها الشخصي إلى أرباح شركات، وقامت بتحويل العائدات مباشرة إلى حساباتها الشخصية لإخفاء الدخل، متهربة من دفع 3.13 مليون يوان بين عامي 2021 و2023.
أما المؤثرة "أن ران"، صاحبة علامة مستحضرات التجميل "ديانتي" (Daiandi)، فقد واجهت هي الأخرى اتهامات بالتقليد. ففي عام 2023، أطلقت علامتها كريم "Pro-Xylane Black Bandage Cream" الذي حقق مبيعات شهرية تجاوزت 25 مليون يوان، لكن المنتج واجه انتقادات حادة لتشابه اسمه وتصميمه الخارجي بشكل متطابق تقريباً مع كريم "Black Bandage" الشهير من علامة "هيلين روبنشتاين" (Helena Rubinstein) الفاخرة، مما أثار اتهامات صريحة بالسرقة الفكرية. وقد تم سحب هذا المنتج لاحقاً من متجر العلامة الرسمي على دويين.
التشريعات الجديدة تضع حداً للمنافسة غير المشروعة
بناءً على ذلك، لا تهدف الرقابة الحالية على التجارة عبر البث المباشر إلى مكافحة التهرب الضريبي فحسب، بل تسعى أيضاً إلى كبح جماح هذه المنافسة الشرسة وغير الصحية التي تضر بالصناعة.
وفيما يتعلق بالضرائب، نص "قانون التجارة الإلكترونية لجمهورية الصين الشعبية" (المشار إليه بـ "قانون التجارة الإلكترونية")، والذي دخل حيز التنفيذ في 1 يناير 2019، بوضوح على أن "ممارسي التجارة الإلكترونية يجب أن يلتزموا بواجباتهم الضريبية وفقاً للقانون". وهذا يعني أن جميع شركات التجارة الإلكترونية، بغض النظر عن حجمها، ملزمة بدفع الضرائب، وينطبق هذا أيضاً على الأفراد الذين يمارسون أنشطة البيع عبر البث المباشر.
ولتسهيل عملية التحصيل الضريبي، أصدرت السلطات في 23 يونيو 2025 "لوائح تقديم المعلومات الضريبية لشركات منصات الإنترنت". وبموجب هذه اللوائح، يتعين على منصات الإنترنت تقديم البيانات الضريبية الخاصة بالبائعين النشطين لديهم إلى سلطات الضرائب المختصة بشكل ربع سنوي، بما في ذلك معلومات الهوية وبيانات الدخل، مما يحل مشكلة صعوبة تحصيل الضرائب من صغار البائعين التي كانت قائمة في السابق.
ومع ذلك، عندما تم تطبيق قانون التجارة الإلكترونية لأول مرة، كانت التجارة عبر البث المباشر لا تزال في بداياتها، ولم تشملها العديد من الأحكام بشكل دقيق. على سبيل المثال، كان القانون يعرّف منصة التجارة الإلكترونية بأنها "الكيان القانوني أو غير القانوني الذي يوفر مساحة عمل عبر الشبكة، وتسهيل المعاملات، ونشر المعلومات للطرفين أو الأطراف المتعددة لإجراء المعاملات بشكل مستقل". لكن من الناحية العملية، كانت العديد من منصات البث المباشر تتهرب من هذا التعريف بحجة أنها منصات ترفيهية وليست منصات تجارية.
لذلك، أضاف التعديل الجديد للقانون بند "إنشاء الطلبات" (Order Generation) إلى الخدمات التي تقدمها المنصات. ونص على أن أي منصة تقدم خدمات تشمل توفير مساحة العمل الرقمية، أو تسهيل المعاملات، أو نشر المعلومات، أو إنشاء الطلبات، كلياً أو جزئياً، يجب أن تتحمل المسؤوليات والالتزامات المقررة في قانون التجارة الإلكترونية. وبهذا، تم قطع الطريق على المنصات التي تسعى لجني أرباح البث المباشر دون تحمل المسؤولية القانونية المترتبة عليها.
وعلى الصعيد الرقابي، استحدث التعديل مبدأ "توحيد الإدارة بين الأنشطة الإلكترونية والتقليدية"، وأسند مسؤولية الإشراف على التجارة الإلكترونية إلى الحكومات المحلية على مستوى المحافظات وما فوقها. ويهدف هذا الإجراء إلى توزيع المسؤولية الرقابية على السلطات المحلية لتعزيز الرقابة الميدانية وسد الفجوات التنظيمية السابقة.
علاوة على ذلك، غلّظ القانون المعدل العقوبات المفروضة على المنصات المخالفة. فبينما كانت العقوبات السابقة تقتصر على الغرامات المادية والأمر بتتعليق الأعمال مؤقتاً، أضاف التعديل الجديد عقوبات رادعة تشمل تعليق تسجيل المستخدمين الجدد، وقطع خدمات الشبكة، وإلغاء تراخيص التشغيل ذات الصلة.
أما من حيث قيمة الغرامات، فقد كان الحد الأقصى للغرامة في قانون عام 2019 يبلغ مليوني يوان فقط، وهو مبلغ ضئيل للغاية بالنسبة للمنصات العملاقة. وفي التعديل الجديد، تم رفع الحد الأقصى للغرامات في المخالفات الجسيمة ذات الأثر السلبي البالغ إلى 5% من إجمالي إيرادات المنصة السنوية للعام السابق، مما يمنح القانون قوة ردع حقيقية.
لا شك أن التجارة عبر البث المباشر، كقناة بيع مبتكرة، تمتلك قيمة تجارية فريدة ساهمت في نموها السريع. لكن الفوضى والممارسات غير القانونية التي رافقتها تطلبت تدخلاً حاسماً. وتأتي هذه القوانين والتشريعات الجديدة لتنقية البيئة الاستثمارية، وضمان نمو هذا القطاع الحيوي بشكل صحي ومستدام يحمي حقوق المستهلكين والشركات الملتزمة على حد سواء.






النقاش
0 تعليق