حقيقة مستحضرات التجميل التقليدية التي تدمر بشرة المستهلكين في الصين
تحقيق يكشف كواليس تجارة مستحضرات التجميل القائمة على «الوصفات القديمة» في الصين، ومخاطر استخدام مواد محظورة تسبب أضراراً بالغة للبشرة.
الادعاءات التسويقية الزائفة تضحي بصحة المستهلكين مقابل مكاسب مالية سريعة. الوصفات التقليدية ليست درعاً يحمي المنتجات من المساءلة، بل إن التسجيل والامتثال التنظيمي هما الأساس لحماية المستهلك.
مبيعات شهرية بعشرات الآلاف بأسعار زهيدة لا تتعدى بضعة دولارات؛ هذا هو واقع مستحضرات التجميل الرائجة على منصات التجارة الإلكترونية الصينية تحت مسمى «الوصفات التقليدية القديمة»، والتي تفتقر في الحقيقة إلى أي أساس علمي.
وفي 19 يوليو، كشف تقرير لقناة «CCTV Finance» (الذراع الاقتصادي للتلفزيون المركزي الصيني) عن الفوضى العارمة التي تشهدها هذه المنتجات، ملقياً الضوء على جانب مظلم من سلاسل التوريد الرمادية للتجميل عبر الإنترنت.
وأشار التقرير إلى أن كريمات العناية بالبشرة المعروفة باسم «Qizibai» (الأعشاب السبعة البيضاء)، والتي تُباع بكثافة في غرف البث المباشر ومقاطع الفيديو القصيرة تحت شعارات مثل «الوصفات الإمبراطورية القديمة» و«المنتجات العشبية المصنوعة يدوياً»، تسببت في إصابة العديد من المستهلكين بالتهابات حادة، وتورم، وبثور استدعت التدخل الطبي العاجل. علاوة على ذلك، فإن هذه المنتجات التي يُفترض أن تكون لطيفة ومغذية للبشرة، تحتوي على مواد محظورة تسبب حساسية للضوء، وتعتمد على تراخيص مزيفة ومصانع مرخصة تنتجها بشكل غير قانوني.
في السوق ككل، تتعدد الحيل التسويقية من خلطات الأعشاب اليدوية إلى مجموعات التبييض وإزالة البقع المخصصة للعيادات، حيث تبرز مشاكل الادعاءات الكاذبة، والإضافات غير القانونية، والتهرب من الرقابة.
وحول استمرار هذه الظاهرة، يوضح خبير صياغة مستحضرات التجميل والمؤثر المعروف باسم Rex: «السبب الجوهري هو وجود فجوة في تلبية احتياجات المستهلكين، مما يدفعهم لتجربة هذه المنتجات المخالفة. بالإضافة إلى ذلك، فإن القلق بشأن المظهر يدفع البعض لتصديق المنتجات التي تعد بنتائج سريعة، مما يفتح الباب للمنتجات غير القانونية التي تحتوي على هرمونات أو معادن ثقيلة».
سلسلة التوريد الرمادية لمنتجات التجميل التقليدية غير المرخصة
كشف تقرير «CCTV Finance» أن منتجات «Qizibai» التي تروج لـ «الوصفات الإمبراطورية القديمة الخالية من المواد الكيميائية للتبييض الفعال وإزالة البقع» تُباع بشكل أساسي عبر منصات التجارة الإلكترونية، وبث الفيديو المباشر، وصالونات التجميل المحلية.
وقد جذبت هذه المنتجات المستهلكين بشعاراتها الجذابة، لكن سرعان ما عانى المستخدمون من أعراض حساسية شديدة مثل الوخز، والتورم، وتقشر الجلد، بل ووصل الأمر ببعضهم إلى الإصابة بتلف جلدي حاد تطلب علاجاً بالمستشفيات.
ووفقاً للتقرير، يتم تصوير «Qizibai» كعلاج تقليدي متوارث للتبييض، مشتق من سبعة أعشاب طبية صينية بيضاء مثل Atractylodes وAngelica dahurica وPeony. وبفضل هذه الهوية الطبيعية، انتشرت أقنعة الطين هذه بسرعة لتصبح من المنتجات الأكثر مبيعاً.
ومع ذلك، فإن عشبة Angelica dahurica (المعروفة محلياً باسم Baizhi)، وهي المكون الأساسي في هذه التركيبة، مدرجة رسمياً كعنصر محظور في قائمة المواد النباتية والحيوانية الممنوع استخدامها في مستحضرات التجميل في الصين.
وفي هذا السياق، يشير لي جينغ تسونغ، مؤسس موقع مصطلحات التجميل المحظورة في الصين، إلى أن: «إنتاج مستحضرات التجميل يتطلب الحصول على رخص إنتاج وتسجيل رسمي للمنتجات الخاصة والعادية. ولا يوجد أي استثناء للمنتجات المصنوعة يدوياً إذا كانت تُباع للجمهور وتندرج تحت تعريف مستحضرات التجميل، كما لا يمكن التهرب من الرقابة تحت مسمى منتجات العناية الصحية الخارجية».
كما أصدرت عدة جهات رقابية محلية تحذيرات من المخاطر [1]، موضحة أن عشبة Baizhi تزيد من حساسية الجلد للضوء بشكل كبير، وعند التعرض لأشعة الشمس بعد تطبيقها، تؤدي إلى التهاب جلدي سام للضوء، وظهور بثور، وأكزيما متكررة، وتصبغات غير قابلة للعلاج، وهو السبب المباشر لتضرر بشرة المستهلكين.
وأوضحت القناة أن هذه الفوضى تنتشر عبر الإنترنت وخارجه على حد سواء. وفي غرف البث المباشر، يقوم البائعون بطحن الأعشاب مباشرة أمام الكاميرا للترويج لمنتجات «طازجة وخالية من الإضافات»، مستخدمين العشبة المحظورة علناً دون أي رادع.
وفي الصالونات ومراكز التجميل الفعلية، مثل مركز «Naimi» للعناية بالأعشاب في ووهان، تُقدم هذه الأقنعة المصنوعة يدوياً كخدمة أساسية مع تجاهل تام لمخاطر الحساسية المرتبطة بها.
وكشف التحقيق أن معظم منتجات «Qizibai» المتداولة تفتقر إلى التراخيص والتسجيل واختبارات الجودة، في حين تحظر المادة 38 من لائحة الإشراف والإدارة على مستحضرات التجميل في الصين قيام الموزعين بتركيب المنتجات بأنفسهم.
وتتبع الصحفيون خيوط أحد كريمات «Qizibai» وصولاً إلى شركة Jiangxi Chuanhui Herbal Biotechnology Co., Ltd.، وهي منشأة تمتلك رخصة تصنيع رسمية. في البداية، أنكر مدير المصنع إنتاج هذه المواد، لكنه اعترف لاحقاً بعد إبداء الصحفيين رغبة في شراء كميات ضخمة، بأن المصنع ينتج التركيبة غير المسجلة (بسبب احتوائها على العشبة المحظورة) ويقوم بتعبئتها فقط، بينما يترك وضع الملصقات والتغليف للموزعين للتهرب من الرقابة. ويبيع الموزع الواحد عشرات الآلاف من هذه العبوات غير المرخصة خلال أشهر قليلة، بينما تدعي خدمة العملاء كذباً أن المنتجات اليدوية لا تخضع لقوانين مستحضرات التجميل.
كما زار الصحفيون شركة Nanyang Jinkui Yaolue Biotechnology Co., Ltd.، التي تنتج كميات كبيرة من كريمات الوصفات القديمة. واعترف مديرها بأن «الوصفات الإمبراطورية» ليست سوى حيلة تسويقية، وأن المكون الأساسي المستخدم هو دهن الخنزير، وهو مكون غير مدرج في دليل المواد التجميلية المعتمدة، وبالتالي لا يمكن تسجيله بشكل قانوني.
وتلجأ هذه الشركات إلى تسجيل المنتجات كـ «مستحضرات عناية صحية خارجية» لخفض تكاليف الامتثال والتهرب من رقابة قطاع التجميل. وعندما يشتكي المستهلكون من حروق أو حساسية، يدعي البائعون أنها مرحلة «طرد السموم وتجديد البشرة» لتضليلهم، بل ويزعمون أن ظهور الحشرات في المنتج دليل على أنه طبيعي وخالٍ من المواد الحافظة.
الجدير بالذكر أن شركة Chuanhui Herbal Biotechnology تمتلك تاريخاً من المخالفات؛ ففي عام 2020، رصدت الجهات الرقابية 4 عيوب خطيرة و9 عيوب عامة في منشآتها، إلى جانب نقص في وثائق تسجيل عدة منتجات [2].
أما شركة Jinkui Yaolue، التي تأسست عام 2023، فقد بنيت استراتيجيتها بالكامل على التسويق الزائف للوصفات القديمة لجذب العملاء، حتى كشف هذا التحقيق تفاصيل سلسلتها الرمادية.
هذه السلسلة الممتدة من المصانع المتعاقدة والموزعين إلى غرف البث المباشر والصالونات، تكشف كيف يستغل التجار العواطف تجاه «الأعشاب التقليدية» لبيع منتجات غير مرخصة تحتوي على مواد ممنوعة ومضللة.
وتعليقاً على هذا التضليل المعرفي، يقول Rex: «الترويج لمنتجات يدوية تحقق نتائج سريعة هو تضليل منطقي؛ إذ إن فعالية العناية بالبشرة تتطلب دورة زمنية وظروفاً علمية محددة، ومعظم هذه الوصفات السرية لا تقدم أي فائدة حقيقية».
ويضيف مانشيكين، مسؤول التواصل العلمي في معهد تشاوجوي للأبحاث: «يستغل البائعون رغبة المستهلكين في العودة إلى الطبيعة وقلقهم بشأن مشاكل البشرة للتسويق لهذه الوصفات، مستغلين غياب الرقابة للمبالغة في الفوائد. وجذر هذه المشكلة يكمن في عدم تكافؤ المعرفة والمعلومات في السوق».
في ظل هذه التغيرات المتسارعة، يحتاج الفاعلون في قطاع التجميل إلى فهم أعمق لآليات السوق والامتثال التنظيمي، وهو ما توضحه خارطة طريق جديدة لسوق التجميل الصيني المتغير بالذكاء الاصطناعي، حيث تزداد أهمية الشفافية والرقابة الرقمية.
ومع ذلك، لا تزال هذه المنتجات تُباع بكثافة على منصات مثل Taobao (منصة التجارة الإلكترونية الصينية الشهيرة)، حيث تحتل بعض أقنعة «Qizibai» مراتب متقدمة في قوائم المنتجات الأكثر مبيعاً، رغم التلاعب الواضح في بيانات تسجيلها.
على سبيل المثال، تظهر سجلات أحد أقنعة الطين المخصصة للصالونات خلو قائمة المكونات الرسمية من عشبة Baizhi المحظورة، كما أن رقم التسجيل المستخدم يعود لمنتج آخر تم إلغاء تسجيله في يونيو الماضي.
حيل مستحضرات التجميل الرائجة: مخاطر خفية متعددة
مع التوسع السريع للتجارة الإلكترونية عبر البث المباشر وقنوات البيع الخاصة، حققت المنتجات اليدوية والمنزلية انتشاراً واسعاً. لكن خلف هذا الرواج، تتدفق منتجات غير مطابقة للمواصفات إلى السوق، مما أدى إلى ارتفاع شكاوى المستهلكين من تلف البشرة، وتجاوز نسب المعادن الثقيلة، والإعلانات المضللة.
ومن خلال مراجعة العقوبات الإدارية والأحكام القضائية في عدة مقاطعات صينية، يمكن رصد ست ظواهر سلبية رئيسية تشهدها هذه التجارة الرمادية:
أولاً: المنتجات العشبية اليدوية المصنوعة دون ترخيص. في يونيو الماضي، تم تغريم شركة Jinxio Yaoniang Trade Co., Ltd. بمبلغ 13,770 يوان ومصادرة منتجاتها لقيامها بتصنيع شامبو عشبي يدوياً دون الحصول على رخصة إنتاج أو تسجيل للمنتج [3].
ثانياً: المنتجات المخصصة لعلاج البقع بشكل غير قانوني. كشف التلفزيون الصيني عن حيل تسويقية يدعي فيها بائعون صفة أطباء لبيع خلطات مخصصة غير مرخصة تحتوي على هرمونات تسبب أضراراً بالغة للبشرة، وصدرت أحكام قضائية بتعويض الضحايا [4].
ثالثاً: المنتجات المقلدة للعلامات التجارية الكبرى. في عام 2025، تمت إدانة شبكة قامت بتصنيع عينات مقلقدة لعلامات فاخرة مثل Dior وYSL في ورش عمل غير مرخصة، وتبين بعد فحصها احتواؤها على نسب خطيرة من المعادن الثقيلة والبكتيريا [5].
رابعاً: مجموعات التبييض السريع في الصالونات. يوضح الخبراء أن هذه المنتجات التي تعد بتبييض البشرة خلال 7 أيام غالباً ما تحتوي على هرمونات ومعادن ثقيلة تؤدي إلى تلف غير قابل للعلاج على المدى الطويل.
خامساً: الأقنعة الرخيصة المصنوعة من مواد تالفة. يشير عاملون في قطاع التصنيع التعاقدي إلى انتشار أقنعة رخيصة للغاية تُباع بأسعار زهيدة (حوالي 0.2 يوان)، وتعتمد على مواد كيميائية صناعية ومواد حافظة مهيجة، بالإضافة إلى أقمشة أقنعة معاد تدويرها تحتوي على مواد فلورية ضارة [6].
سادساً: مجموعات مكافحة الشيخوخة غير الخاضعة لاختبارات الجودة. تعتمد بعض العلامات التجارية غير المعروفة على ادعاءات مبالغ فيها مثل «تقنيات استعادة الشباب» دون إجراء اختبارات جودة لكل دفعة إنتاج.
تستغل هذه الشركات رغبة المستهلكين في المنتجات الطبيعية والنتائج السريعة للتهرب من الرقابة عبر ثلاث طرق: التهرب من التصنيف (بين مستحضرات التجميل والمنتجات الصحية)، وتجزئة مراحل الإنتاج (بين التعبئة والتغليف)، واستغلال قنوات البيع الخاصة والبث المباشر لصعوبة تتبعها.
وللحد من هذه التجاوزات، يرى الخبراء ضرورة تضافر الجهود بين العلامات التجارية الملتزمة، والمصانع، ومنصات التجارة الإلكترونية لرفع معايير الرقابة، وتكثيف الحملات التفتيشية من قبل إدارات مراقبة السوق، إلى جانب توعية المستهلكين بأهمية اختيار المنتجات المسجلة رسمياً والابتعاد عن الادعاءات الخالية من الأساس العلمي.
















النقاش
0 تعليق