نهاية حقبة "تشينغسونغ" وبداية عهد جديد لعملاق التصنيع "نوكس بيلكو"
أعلنت شركة "تشينغسونغ" الصينية عن تغيير اسمها رسمياً إلى "نوكس بيلكو"، مما يمثل نهاية عملية تحول استراتيجي استمرت سبع سنوات من قطاع الكيماويات التقليدي إلى قيادة قطاع تصنيع مستحضرات التجميل عالمياً.
ستختفي البصمة الكيميائية التي حملها اسم "تشينغسونغ" طويلاً، ليحل محلها بالكامل الهوية التجارية لشركة "نوكس بيلكو" الرائدة في تصنيع مستحضرات التجميل.
أعلنت شركة "فوجيان تشينغسونغ المحدودة" (المشار إليها لاحقاً بـ "تشينغسونغ") مؤخراً عن عزمها تغيير اسمها الرسمي بالكامل إلى "فوجيان نوكس بيلكو القابضة المحدودة"، وتغيير رمزها في سوق الأسهم من "تشينغسونغ" إلى "نوكس بيلكو"، مع الإبقاء على رمز التداول "300132" دون تغيير.
لماذا يهم هذا قطاع التجميل العالمي؟ تعد شركة نوكس بيلكو (Nox Bellcow) واحدة من أكبر أربع شركات لتصنيع مستحضرات التجميل بالتصميم الأصلي (ODM) في العالم. ويمثل هذا التحول الكامل إلى شركة مدرجة مستقلة تحت اسمها الخاص خطوة هامة تعكس تنامي نفوذ سلاسل التوريد الصينية في صناعة الجمال العالمية وقدرتها على جذب كبرى العلامات التجارية متعددة الجنسيات.
يمثل هذا الإعلان الختام الرسمي لعملية تحول استراتيجي عابرة للقطاعات استمرت سبع سنوات لشركة مدرجة تمتد جذورها في صناعة الكيماويات المستخلصة من الغابات لأكثر من عشرين عاماً. كما يعني أن أكبر شركة صينية لتصنيع مستحضرات التجميل بالتصميم الأصلي (ODM) قد انتقلت أخيراً من كونها تابعة لمجموعة مدرجة إلى واجهة السوق المالية بهوية صناعية مستقلة، لتنافس بقوة في سوق تصنيع الجمال العالمي.
من ريادة صناعة الكافور إلى قيادة تصنيع مستحضرات التجميل: رحلة تحول دامت 7 سنوات
لفهم أهمية هذا التغيير، لا بد من العودة إلى بداية القصة. تأسست شركة "تشينغسونغ" في عام 2001 كشركة كيماويات تقليدية تعتمد على الموارد الطبيعية، وتخصصت في المعالجة العميقة لمنتجات زيت التربنتين مثل الكافور الاصطناعي والبورنيول، وكانت تعد رائدة عالمية في هذا المجال المتخصص. وفي عام 2010، أُدرجت الشركة رسمياً في سوق "تشاينكست" (ChiNext) للشركات الناشئة في بورصة شنزن. وطوال عقد من الزمان بعد إدراجها، ارتبط اسم "تشينغسونغ" بالصناعات الكيميائية الدقيقة دون أي صلة بقطاع مستحضرات التجميل.
حدثت نقطة التحول في عام 2019. في ذلك الوقت، كان قطاع مستحضرات التجميل المحلي في الصين يشهد نمواً متسارعاً، وكان الطلب على التصنيع التعاقدي للمستحضرات في تصاعد مستمر. وفي المقابل، كانت الصناعات الكيميائية التقليدية تواجه تحديات فائض الإنتاج، وتقلبات الأسعار، ومحدودية فرص النمو المستقبلية.
وسعياً وراء إيجاد محرك نمو ثانٍ، استثمرت "تشينغسونغ" 2.43 مليار يوان صيني (نحو 340 مليون دولار أمريكي) للاستحواذ على 90% من أسهم شركة "نوكس بيلكو" (Nox Bellcow)، ثم استحوذت في عام 2020 على النسبة المتبقية البالغة 10% مقابل 430 مليون يوان، لتصل القيمة الإجمالية للاستحواذ إلى 2.86 مليار يوان صيني وتفرض سيطرتها الكاملة على الشركة، وتدخل رسمياً قطاع التصنيع بالتصميم الأصلي (ODM) لمستحضرات التجميل.
كان هذا الاستحواذ حدثاً بارزاً في سوق الأسهم الصينية بقطاع التجميل آنذاك، ومثّل بداية التحول الاستراتيجي لأعمال الشركة الأساسية.
بعد إتمام الصفقة، عملت "تشينغسونغ" على دمج أعمالها وتوجيه تركيزها الاستراتيجي؛ فوجهت الموارد والكفاءات وأنظمة الإدارة نحو قطاع تصنيع مستحضرات التجميل، بينما تخلصت تدريجياً من أعمالها الكيميائية القديمة. وفي عام 2023، أكملت الشركة نقل ملكية الشركات التابعة لأعمال معالجة زيت التربنتين، لتخرج تماماً من قطاع الكيماويات، وتصبح "نوكس بيلكو" الكيان التشغيلي الأساسي والوحيد للمجموعة.
وتزامن ذلك مع إعادة هيكلة حوكمة الشركة؛ ففي يوليو 2021، تولى فان تشان هوا، مؤسس "نوكس بيلكو"، منصب رئيس الشركة، وفي عام 2026 تم تعيينه رسمياً رئيساً لمجلس الإدارة ورئيساً تنفيذياً لشركة "تشينغسونغ". وأظهر إعلان إعادة تشكيل مجلس الإدارة الصادر في 17 يوليو ترشيح كل من فان تشان هوا ولين شيدا كأعضاء غير مستقلين في مجلس الإدارة السادس، مما يمثل اكتمال انتقال الإدارة بالكامل.
وتؤكد البيانات المالية مدى عمق هذا التحول؛ فمنذ عام 2023، تجاوزت مساهمة "نوكس بيلكو" في الإيرادات الإجمالية للمجموعة نسبة 99%. وفي عام 2025، بلغت الإيرادات الإجمالية للمجموعة 2.219 مليار يوان صيني (بزيادة قدرها 14.41% على أساس سنوي)، وبلغ صافي الأرباح المنسوبة للشركة الأم 153 مليون يوان (بزيادة هائلة بلغت 180.21%). وحققت "نوكس بيلكو" بمفردها إيرادات بلغت 2.211 مليار يوان، ما يمثل 99.64% من إجمالي الإيرادات، بصافي أرباح بلغ 202 مليون يوان، بزيادة قدرها 134.23% على أساس سنوي.
كما أظهرت التوقعات المالية للنصف الأول من عام 2026 استمرار هذا النمو، حيث بلغت الإيرادات المقدرة حوالي 1.107 مليار يوان صيني (بزيادة 18.16%)، وصافي أرباح يتراوح بين 50 و61 مليون يوان (بزيادة تتراوح بين 82.43% و122.57%). وأشار التقرير إلى أن هذا النمو يعود بشكل أساسي إلى التعافي المستقر للاستهلاك في قطاع مستحضرات التجميل المحلي وزيادة طلبات العملاء.
ومن الواضح أن اسم "تشينغسونغ" لم يعد يعبر عن الواقع الفعلي للشركة؛ إذ إن أصولها وإيراداتها وأرباحها وفريقها الإداري باتوا يركزون بالكامل على قطاع التجميل، ولم يتبقَ سوى الاسم التجاري في البورصة كشاهد على عهد الكيماويات البائد. وكما جاء في بيان الشركة، فإن الهدف الأساسي من تغيير الاسم هو "إزالة التناقض بين اسم الشركة ونشاطها الفعلي، ليعكس الاسم الجديد بدقة ووضوح الهيكل الصناعي الحالي وجوهر أعمالها".
القيمة الاستراتيجية لتغيير الاسم: ترقية ثلاثية الأبعاد للمال والعلامة التجارية والصناعة
يعد تغيير الاسم بمثابة تأكيد نهائي على نجاح التحول الاستراتيجي الذي استمر لسبع سنوات، مما يتيح مواءمة رؤية الأسواق المالية والشركاء التجاريين مع الهيكل الفعلي لأعمال الشركة، ويزيل أي عقبات تتعلق بالهوية التجارية في مرحلة النمو المقبلة. وتتجلى قيمة هذه الخطوة في ثلاثة أبعاد رئيسية.
على مستوى الأسواق المالية، سيسهم تغيير الاسم في تصحيح النظرة العامة للشركة. ففي السابق، وبسبب الارتباط الكيميائي لاسم "تشينغسونغ"، كان هناك تباين في تقييم السوق للشركة، ولم تكن القيمة السوقية تعكس بدقة طبيعة نشاطها في تصنيع مستحضرات التجميل. ومع اعتماد اسم "نوكس بيلكو" في التداول، سينتقل منطق التقييم المالي من قطاع الكيماويات التقليدي إلى قطاع "الاستهلاك التجميلي والتصنيع المتقدم"، مما يعزز جاذبية الشركة في قطاع السلع الاستهلاكية سريعة التداول (FMCG)، ويسهل على المستثمرين فهم طبيعة أعمالها، ويضمن تقييم أصولها بشكل عادل.
وعلى المستوى التشغيلي، يحقق تغيير الاسم تناغماً كبيراً بين الشركة المدرجة والكيان التشغيلي الفعلي. ففي السابق، كان الانقسام بين اسمي "تشينغسونغ" و"نوكس بيلكو" يتسبب في تشتت الهوية أثناء إبرام الشراكات، والتواصل مع العملاء، واستقطاب الكفاءات. ومن شأن توحيد العلامة التجارية أن يدمج صورة المنصة المدرجة مع الكيان التشغيلي الأساسي، مما يعزز مكانتها الاحترافية في مجال التصنيع التعاقدي لمستحضرات التجميل، ويسمح لها بالاستفادة من الملاءة المالية والمصداقية التي توفرها البورصة لجذب عملاء دوليين وعقود تصنيع راقية.
علاوة على ذلك، فإن إدراج كلمة "القابضة" في الاسم الجديد يمنح الشركة مرونة هيكلية للتوسع الاستراتيجي على المدى الطويل. وبالنظر إلى مسار عمالقة التصنيع التعاقدي العالميين، نجد أن كبرى شركات الـ ODM تسعى دائماً للتوسع عمودياً في سلسلة التوريد؛ حيث تستثمر في أبحاث المواد الخام وتكامل التوريد في المراحل الأولية، وتقدم خدمات ذات قيمة مضافة مثل احتضان العلامات التجارية، واختبارات المستهلكين، والاستشارات التنظيمية في المراحل اللاحقة. ويوفر هيكل الشركة القابضة آفاقاً واسعة للاستثمارات المستقبلية وتوسيع محفظة الأعمال.
ومن منظور دورة السوق، تأتي هذه الخطوة كإجراء حاسم للاستفادة من فرص إعادة هيكلة القطاع. ففي الوقت الحالي، تشهد صناعة الـ ODM لمستحضرات التجميل في الصين مرحلة ترقية تنظيمية شاملة؛ حيث تسهم القوانين الصارمة في رفع تكاليف الامتثال التنظيمي، مما يسرع خروج المصانع الصغيرة والمتوسطة من السوق، وتركيز الحصة السوقية لدى الشركات الكبرى التي تمتلك مزايا الحجم والبحث والتطوير والالتزام بالمعايير. وفي ظل سعي الحكومة لتنظيم السوق، حيث تطلق الصين حقبة التنظيم الصارم للتجارة الإلكترونية عبر البث المباشر لضمان الشفافية والعدالة الضريبية، فإن توحيد الهوية التجارية لشركة "نوكس بيلكو" يعزز مكانتها كشريك موثوق وملتزم بالمعايير، مما يمكنها من الاستحواذ على حصة أكبر من السوق خلال فترة الغربلة الحالية وتوطيد ريادتها.
ما بعد تغيير الاسم: صياغة سردية صناعية جديدة لـ "نوكس بيلكو"
بالنظر إلى المشهد الصناعي الأوسع، فإن خطوة تغيير اسم الشركة تعكس التحول التاريخي لقطاع التصنيع التعاقدي لمستحضرات التجميل في الصين من مجرد "التصنيع الكمي" إلى "خلق القيمة". فبعد أن كان هذا القطاع يُصنف قديماً كمجرد ورش لتعبئة وتجهيز المواد الخام، نجحت الشركات الرائدة وعلى رأسها "نوكس بيلكو" في إعادة صياغة هذه الصورة بفضل قدراتها التكنولوجية الفائقة.
وبصفتها واحدة من أكبر أربع شركات ODM لمستحضرات التجميل في العالم، والأكبر في الصين، تتربع "نوكس بيلكو" على عرش إنتاج الأقنعة الورقية (Facial Masks) عالمياً بطاقة إنتاجية يومية تصل إلى 6.5 مليون قطعة، وإنتاج سنوي يتجاوز الملياري قطعة. وتضم قائمة عملائها عمالقة الصناعة العالميين والمحليين مثل "بروكتر آند غامبل" (P&G)، و"شيسيدو" (Shiseido)، و"يونيليفر" (Unilever)، و"بروايا" (Proya)، و"شانداو" (Chando)، و"شانغهاي جاهوا" (Shanghai Jahwa)، وتصدر منتجاتها إلى أكثر من 40 دولة ومنطقة حول العالم. وتأتي هذه الخطوة في وقت تسعى فيه العلامات التجارية الصينية إلى تعزيز حضورها العالمي، تماماً كما تساءل المراقبون مؤخراً هل تستطيع Sheglam بناء علامة تجارية لمستحضرات التجميل تفوق Shein؟ لتسليط الضوء على الطموحات الدولية المتزايدة لقطاع الجمال الصيني.
وتمثل قوة البحث والتطوير خط الدفاع الأساسي لشركة "نوكس بيلكو"؛ حيث أنشأت ثلاث منصات ابتكارية رئيسية تشمل التكنولوجيا الحيوية، وتكنولوجيا التركيبات، وتقنيات الذكاء الاصطناعي. وفي عام 2025، أطلقت الشركة "منصة NBC للتصنيع الذكي للخلايا النباتية"، والتي تدمج تقنيتين أساسيتين هما زراعة الخلايا النباتية الموجهة GreenCall™ ونقل إكسوسومات الخلايا النباتية PhytoExo®PLUS+. وبالاعتماد على قاعدة بيانات تضم أكثر من 15,000 تركيبة جاهزة وفريق من الخبراء، تقدم الشركة حلولاً متكاملة للعلامات التجارية. وفي عام 2026، ستضيف المنصة تقنية PhytoPDRN لاستخلاص الـ PDRN من الخلايا النباتية، مما يعزز الابتكار في مجال مستحضرات التجميل المستدامة.
وتظهر التقارير المالية أن ميزانية البحث والتطوير لشركة "نوكس بيلكو" بلغت 76.47 million يوان صيني في عام 2025، بزيادة قدرها 18.65% على أساس سنوي. وتمتلك الشركة فريقاً متخصصاً يضم أكثر من 180 باحثاً ومطوراً، وتحوز 147 براءة اختراع، مما يضمن لها تحقيق اختراقات مستمرة في تطوير المكونات والتركيبات والتطبيقات العملية.
لقد تجاوزت "نوكس بيلكو" دور المصنع التقليدي منذ زمن طويل؛ لتصبح بمثابة "العقل الابتكاري الخارجي" ومحرك التطوير للعلامات التجارية، وليس مجرد شريك لتوفير القدرة الإنتاجية.
وداعاً لـ "تشينغسونغ"، وأهلاً بـ "نوكس بيلكو". إن هذا التغيير ليس مجرد تعديل لاسم تجاري في شاشات البورصة، بل هو إعلان استراتيجي للمستقبل ينهي فصلاً من تاريخ الشركة الكيميائي القديم، ويفتح آفاقاً جديدة لإعادة تقييم القيمة الحقيقية لشركات سلاسل التوريد في قطاع التجميل الصيني.
سيصبح اسم "تشينغسونغ" جزءاً من الماضي، لكن التحدي الحقيقي والمثير للاهتمام هو كيف ستتمكن "نوكس بيلكو" من ترسيخ جذورها والتوسع بشكل أكبر في قطاع المال والأعمال العالمي مستقبلاً.




النقاش
0 تعليق