8 سبتمبر، 2026

عملاق الأدوية الصيني بايونشان يؤسس شركة تجميل جديدة: ما هي استراتيجيته؟

عملاق الأدوية الصيني "بايونشان" يتخلى عن نموذج ترخيص العلامة التجارية ويؤسس شركة مشتركة للتركيز على البحث والتطوير الذاتي في قطاع التجميل.

كينغ وين
بقلم كينغ وين
قراءة 1 دقيقة
عملاق الأدوية الصيني بايونشان يؤسس شركة تجميل جديدة: ما هي استراتيجيته؟

أثار تأسيس شركة "غوانغياو داميلي" للتكنولوجيا الحيوية (Guangyao Dameili Biotechnology) في مدينة غوانغتشو مؤخراً اهتماماً واسعاً في أوساط صناعة التجميل الصينية. وتأسست الشركة برأس مال مسجل يبلغ 20 مليون يوان (حوالي 2.75 مليون دولار أمريكي)، ويرأسها قانونياً تشيو جيانهوا، ويشمل نطاق عملها تجارة مستحضرات التجميل بالجملة والتجزئة، إلى جانب البحث والتطوير التقني للمنتجات الكيميائية الحيوية.

وتكشف بنية ملكية الشركة الجديدة عن أبعاد استراتيجية عميقة؛ حيث تمتلك شركة "غوانغتشو تشوانغينغ" (Guangzhou Chuangying) – المملوكة بالكامل لمجموعة الأدوية الشهيرة "بايونشان" (Baiyunshan) والمكلفة بإدارة حقوق الملكية الفكرية – حصة الأغلبية بنسبة 51%، في حين تمتلك شركة "شيامن هايتشي ويلاي" للاستثمار (Xiamen Haizhi Weilai) الحصة المتبقية البالغة 49%.

يقف وراء هذا الكيان الجديد طرفان بارزان: الأول هو عملاق الأدوية الحكومي "بايونشان" الذي تتجاوز إيراداته السنوية 77.6 مليار يوان، والثاني هو "مجموعة هيني" (Heini Group)، وهي حاضنة أعمال صاعدة لعلامات التجميل التجارية. ويأتي إطلاق هذه الشراكة بالتزامن مع حملة صارمة تقودها بايونشان لتطهير سوقها من فوضى التراخيص العشوائية لعلامتها التجارية. فما هي الإشارات التي يرسلها هذا التحول الاستراتيجي؟

إمبراطورية ترخيص العلامة التجارية لـ "بايونشان": من محرك للأرباح إلى عبء على السمعة

لفهم أبعاد هذه الخطوة، يجب أولاً النظر في خلفية الشريكين.

تأسست شركة "غوانغتشو تشوانغينغ" في أغسطس 2019، وهي الذراع الأساسية لإدارة تراخيص العلامات التجارية لمجموعة بايونشان. ووفقاً للبيانات الرسمية، تمتلك بايونشان والشركات التابعة لها أكثر من 3000 علامة تجارية مسجلة، من بينها علامتا "بايونشان" و"وانغلاوجي" الشهيرتان. وتغطي هذه التراخيص قطاعات واسعة تشمل الأدوية، والأغذية، والسلع الاستهلاكية سريعة التداول، ومستحضرات التجميل. وكان نموذج عمل الشركة يعتمد ببساطة على تحصيل رسوم ترخيص ثابتة ونسب من المبيعات.

في المقابل، تأسست شركة "شيامن هايتشي ويلاي" للاستثمار في يوليو 2024 برأس مال مسجل قدره 10 ملايين يوان. ورغم حداثة عهدها، فإن شركتها الأم "مجموعة هيني" تعد واحدة من كبرى شركات التجارة الإلكترونية لقطاع التجميل، وتتولى منذ فترة طويلة تشغيل وإدارة مبيعات منتجات العناية الشخصية والتجميل التي تحمل اسم "بايونشان".

وتظهر قوة تغلغل هذه المنتجات بوضوح في منصات التجارة الإلكترونية الصينية؛ ففي يونيو الماضي، احتلت علامة بايونشان المرتبة السادسة في فئة السلع اليومية على منصة دويين (Douyin)، الشقيقة الصينية لتطبيق تيك توك. وشملت المنتجات الأكثر مبيعاً زيوت العناية بالعين، وأقنعة الطين بحمض الأزيليك، وشامبو كبريتيد السيلينيوم، وهي منتجات حققت انتشاراً سريعاً بفضل الجمع بين المصداقية الطبية والتصنيع التعاقدي (OEM). وتشير الإحصاءات إلى أن مبيعات بايونشان الإجمالية عبر منصات دويين، وتي مول (Tmall)، وجي دي دوت كوم (JD.com)، وكوايشو بلغت 2.129 مليار يوان في عام 2024، محققة نمواً هائلاً بنسبة 393.95% على أساس سنوي.

غير أن هذه الأرقام البراقة تخفي حقيقة بالغة الأهمية: معظم هذه المنتجات لا تربطها أي صلة بحثية أو إنتاجية أو استثمارية بمجموعة بايونشان للأدوية، باستثناء الاسم المطبوع على العبوة. فعملية الترخيص تدار عبر شركة "تشوانغينغ"، بينما تتولى "مجموعة هيني" العمليات التجارية، ويتم الإنتاج بالكامل في مصانع خارجية متعاقد معها.

ورغم أن هذا النموذج حقق إيرادات إضافية ضخمة للمجموعة – حيث قفزت إيرادات الأنشطة الأخرى لبايونشان إلى 339 مليون يوان في عام 2021 (+58%)، ثم إلى 484 مليون يوان في عام 2022 (+42%)، لتصل إلى 507 ملايين يوان في عام 2023 – إلا أنه جلب معه مخاطر جسيمة. فغياب معايير الرقابة الموحدة لدى المصانع المتعاقدة أدى إلى تفاوت جودة المنتجات وزيادة شكاوى المستهلكين، حيث سجلت منصة الشكاوى الصينية "Heimao" أكثر من 800 شكوى ضد منتجات بايونشان، مما بدأ يستنزف الثقة الطبيعية التي يوليها المستهلكون لعلامات الأدوية.

ما بعد التطهير: الفلسفة العميقة وراء تأسيس الشركة الجديدة

في مواجهة هذه التحديات، اتخذت بايونشان قراراً حاسماً في أبريل 2025 بوقف منح أي تراخيص تجارية جديدة لعلاماتها التجارية، وبدأت حملة واسعة لتصفية المنتجات المرخصة الحالية وتطهير السوق، مما أدى إلى تقليص كبير في عدد المنتجات التي تحمل اسمي "وانغلاوجي" و"بايونشان".

وأوضحت بايونشان في تقريرها للمستثمرين أن هذه الخطوة تهدف إلى "حماية قيمة العلامة التجارية وضمان النمو الصحي لأعمالها الذاتية الأساسية". ولكن، ما هو الهدف من تأسيس شركة مشتركة جديدة مع "مجموعة هيني" في الوقت الذي تتخلص فيه من نموذج الترخيص القديم؟

أولاً، التحول من "بيع الاسم" إلى "صناعة المنتج": في السابق، كانت بايونشان تلعب دور "المؤجر" للعلامة التجارية دون سيطرة حقيقية على الجودة. أما تركيز الشركة الجديدة على البحث والتطوير التقني للمنتجات الكيميائية الحيوية فيعني أن بايونشان بدأت تتدخل مباشرة في صياغة وابتكار المنتجات.

ثانياً، الاحتفاظ بالقدرات التسويقية وتحسين نموذج الشراكة: تمتلك مجموعة هيني خبرة واسعة في إدارة قنوات البيع الرقمية وجذب المستهلكين عبر منصات البث المباشر والتجارة الاجتماعية، مثلما نرى في استراتيجيات إطلاق العلامات التجارية الحديثة كـ علامة ROSE AMIGO الجديدة التي تعتمد على قنوات التواصل الاجتماعي الصينية لبناء زخم سريع. وبدلاً من بناء قنوات توزيع من الصفر، اختارت بايونشان دمج هذه القدرات التسويقية ضمن هيكل ملكية مشترك تسيطر فيه على توجهات العلامة التجارية، بينما تتولى شريكتها عمليات التشغيل اللوجستي والتسويقي.

ثالثاً، مواكبة التوجه العام للصناعة: لا تعد بايونشان حالة فردية؛ فقد أعلنت مجموعة "تونغرينتانغ" (Tongrentang) العريقة للأدوية في نهاية عام 2025 عن حملة صارمة لمنع الاستخدام غير المصرح به لاسمها. وارتفعت رسوم استخدام العلامة التجارية التي تدفعها الشركة المدرجة للشركة الأم من أقل من 9 ملايين يوان في 2024 إلى أكثر من 35.57 مليون يوان في 2025 (بزيادة تقارب 300%). وفي الوقت نفسه، انخفضت القيمة الإجمالية للبضائع المباعة (GMV) لمستحضرات التجميل التي تحمل أسماء شركات أدوية مثل تونغرينتانغ وشيوتشنغ (Xiuzheng) بنسب تتراوح بين 46% و48% خلال العام الماضي، مما يؤكد أن العصر الذهبي لترخيص العلامات التجارية قد شارف على النهاية.

دخول شركات الأدوية قطاع التجميل: نهاية عصر الأرباح السريعة

يعتمد دخول شركات الأدوية إلى قطاع التجميل في جوهره على "استغلال الثقة"؛ حيث ينقل المستهلكون صورتهم الذهنية عن دقة وموثوقية شركات الأدوية إلى مستحضرات التجميل. ويمثل هذا الرصيد من الثقة أكبر ميزة تنافسية لهذه الشركات. على سبيل المثال، نجح شامبو كبريتيد السيلينيوم من بايونشان في احتلال المرتبة الثانية شهرياً على منصة دويين بفضل هويته الطبية، إذ تعني عبارة "صنع في شركة أدوية" بالنسبة للمستهلك معايير أمان أعلى وفعالية مثبتة.

لكن نموذج الترخيص العشوائي يهدد هذا الرصيد بالزوال. فعندما يكتشف المستهلك أن المنتج الذي اشتراه لا علاقة له بأبحاث شركة الأدوية، تتحول الهالة المهنية إلى اتهامات بالدعاية المضللة، وهو ما يفسر تزايد المنشورات السلبية والتحذيرية على منصات التواصل الاجتماعي.

وفي المقابل، فإن شركات الأدوية التي نجحت في ترسيخ أقدامها في قطاع التجميل هي تلك التي نقلت قدراتها البحثية الطبية إلى تركيبات منتجاتها؛ مثل علامة "فورجيا" (Fuerjia) التي تطبق معايير الأدوية الصارمة في جميع مراحل الإنتاج، وشركة "تشييوان للأدوية" (Zhiyuan Pharmaceutical) التي جذبت استثمارات من صناديق تابعة لمجموعة لوريال العالمية. إن السوق اليوم يصوت لصالح جودة المنتج الحقيقية، أما الاعتماد على مجرد ترخيص الاسم فلن يستمر طويلاً.

يمثل تأسيس شركة "غوانغياو داميلي" خطوة استراتيجية مدروسة للانتقال نحو "التشغيل الذاتي" والتحكم الكامل في سلاسل الإمداد والبحث والتطوير. وبالنسبة لقطاع التجميل، فإن هذه الخطوة ترسل إشارة واضحة: تحويل القدرات البحثية الصيدلانية إلى فعالية حقيقية للمنتج هو السبيل الوحيد لاستدامة هذه الشراكات. لقد انتهى عصر الأرباح السهلة القائمة على ترخيص الأسماء، وباتت جودة المنتج هي المعيار الوحيد لتحديد قيمة العلامة التجارية.

النقاش

0 تعليق

إضافة تعليق

انضم إلى النقاش

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *

التحقق الأمني

أكمل التحقق قبل نشر تعليقك.