نمو مبيعات تجزئة مستحضرات التجميل في الصين لـ 12 شهراً متتالياً
تشهد سوق التجميل الصينية تحولاً استراتيجياً نحو الربحية والتجارة الإلكترونية التقليدية، مع تسجيل مبيعات التجزئة نمواً متواصلاً لـ 12 شهراً متتالياً.
أظهرت أحدث البيانات الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء في الصين أن مبيعات التجزئة لمستحضرات التجميل سجلت نمواً قوياً في شهر يونيو بنسبة 12.6% على أساس سنوي، متجاوزة بكثير معدل نمو السوق الإجمالي البالغ 1%. ويمثل هذا الأداء الشهر الثاني عشر على التوالي من النمو الإيجابي منذ يوليو من العام الماضي.
علاوة على ذلك، بلغ إجمالي مبيعات التجزئة لمستحضرات التجميل للشركات الكبرى (التي تتجاوز مبيعاتها السنوية حداً معيناً) في النصف الأول من هذا العام 244.5 مليار يوان صيني (نحو 33.7 مليار دولار أمريكي)، وهو مستوى قياسي غير مسبوق. وسجل معدل النمو السنوي 6.3%، وهو ثاني أعلى معدل نمو في السنوات الخمس الماضية، بعد الطفرة التي أعقبت الجائحة في النصف الأول من عام 2023. ومع ذلك، فإن الأهم من هذه الأرقام هو التحول الجذري في فلسفة النمو التي تقود قطاع التجميل حالياً.
من "السيادة لحجم الزيارات" إلى التركيز على الربحية
في العصر الذهبي لـ التجارة الإلكترونية الصينية، كانت العلامات التجارية لمستحضرات التجميل تتبنى مبدأ "السيادة لحجم الزيارات والجمهور"، حيث كان التركيز الأساسي ينصب على تحقيق أعلى قيمة إجمالية للبضائع المباعة (GMV). ولكن مع الارتفاع الحاد في تكاليف جذب المستهلكين عبر الإنترنت، أدركت العديد من الشركات أن هذا النموذج لم يعد مستداماً، بل قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى خسائر متراكمة كلما زادت المبيعات.
وبالنظر إلى 16 شركة تجميل مدرجة في البورصة، شهدت 9 منها تراجعاً في هامش صافي الأرباح خلال عام 2025، مما يعني زيادة في الإيرادات دون زيادة حقيقية في الأرباح. بل إن بعض الشركات تكبدت خسائر فعلية؛ على سبيل المثال، سجلت شركة Lafang China خسارة صافية بلغت 31.15 مليون يوان في عام 2025، مقارنة بأرباح بلغت 41.37 million يوان في الفترة نفسها من عام 2024. ويعود السبب الرئيسي لهذه الخسارة إلى زيادة الاستثمار في القنوات الرقمية، ورغم تحقيق نمو طفيف بنسبة 4.7% في إيرادات الإنترنت، إلا أن ذلك جاء على حساب صافي الأرباح بشكل كبير.
وكانت الصدمة أشد وطأة على "العلامات التجارية البيضاء" (وهي العلامات التجارية المجهولة أو غير المصنفة التي تعتمد كلياً على شراء الزيارات والإعلانات المكثفة) مقارنة بالشركات المدرجة ذات العلامات القوية والقنوات المتنوعة. ووفقاً لبيانات منصات تتبع السوق، خلت قائمة أفضل 20 علامة تجارية مبيعا لمستحضرات التجميل في عام 2025 تماماً من أي "علامة بيضاء"، بعد أن نجحت علامتان منها في دخول القائمة عام 2024. ومع الارتفاع الجنوني لتكاليف الإعلانات، اختفت العديد من هذه العلامات التي كانت سريعة الانتشار، أو اضطرت للتحول إلى نموذج بناء العلامة التجارية التقليدي.
ودفع هذا الواقع الجديد العديد من الشركات الكبرى إلى التخلي عن مطاردة الزيارات الوهمية. على سبيل المثال، أعلنت شركة Bloomage Biotech، العملاقة في مجال حمض الهيالورونيك، في تقريرها المالي لعام 2025 أنها تتخلى تدريجياً عن نموذج الترويج المعتمد على حرق الأموال والخصومات، لتتحول نحو استراتيجية بناء العلامة التجارية القائمة على الإثبات العلمي والبحث والتطوير. وانعكس هذا التحول إيجاباً في النصف الأول من هذا العام، حيث حققت الشركة نمواً هائلاً في صافي الأرباح بنسبة 67.6%.
وخلال مهرجان التسوق الشهير "618" (أكبر مهرجان تسوق في منتصف العام بالصين) هذا العام، أدركت معظم الشركات أن القدرة على تحقيق أرباح مستدامة هي المقياس الحقيقي للنمو الصحي. ووفقاً لتقرير داخلي تداوله خبراء الصناعة، فإن أكثر من 70% من العلامات التجارية الشريكة وضعت هامش صافي الربح كأهم مؤشر أداء رئيسي لمهرجان "618" بدلاً من حجم المبيعات الإجمالي، مع التركيز على معدلات إعادة الشراء، وقيمة المنتجات الجديدة، وعائد الاستثمار في القنوات المختلفة كمعايير أساسية لتقييم كفاءة منصات البيع.
العودة إلى منصات التجارة الإلكترونية التقليدية
بالتوازي مع هذا التحول، بدأت العلامات التجارية في إعادة توجيه بوصلتها نحو منصات التجارة الإلكترونية التقليدية القائمة على البحث (المعروفة بـ "تجارة الرفوف" مثل Tmall وJD.com).
وتشير البيانات إلى أن إجمالي حجم البضائع لفئة التجميل على منصة Tmall بلغ 73.68 مليار يوان في النصف الأول من عام 2026، بزيادة قدرها 5% على أساس سنوي. ورغم أن هذا النمو يبدو متواضعاً، إلا أنه يمثل عودة المنصة إلى المسار الإيجابي لأول مرة منذ 4 سنوات، بعد تراجعات بلغت نحو 10% في عامي 2024 و2025.
ويظّل دافع الربحية هو المحرك الأساسي وراء هذا التغيير الاستراتيجي. ويكشف طلب الاكتتاب الصادر مؤخراً عن الشركة الأم لعلامة التجميل Vetru أنه في النصف الأول من عام 2025، أنفقت الشركة 18.82 مليون يوان كأعباء بيعية على قنوات البث المباشر لتحقيق مبيعات بلغت 30.45 مليون يوان فقط (بنسبة تكلفة بلغت 61.8%). وفي المقابل، لم تتجاوز مصاريفها البيعية على منصة Tmall نحو 2.12 مليون يوان لتحقيق مبيعات بلغت 7.47 مليون يوان (بنسبة تكلفة بلغت 28.5% فقط)، مما يظهر بوضوح الفارق الشاسع في عائد الاستثمار لصالح التجارة التقليدية.
ويعود السبب الرئيسي لصعوبة تحقيق أرباح عبر قنوات البث المباشر إلى تلاشي الطفرة الأولى لهذه القنوات. ورغم أن منصة Douyin (النسخة الصينية من تيك توك) سجلت إجمالي مبيعات تجميل بقيمة 150.34 مليار يوان في النصف الأول من العام، لتتجاوز مجموع منصتي Tmall وTaobao وتصبح القناة الأولى في قطاع التجميل، إلا أن معدل نموها تباطأ إلى 14.5% مقارنة بـ 24.1% في الفترة نفسها من العام الماضي، مما يشير إلى تراجع مستمر في وتيرة النمو.
ومع دخول هذه المنصات مرحلة الاستقرار، ارتفعت تكاليف الإعلانات بشكل طبيعي. وأشار بعض التجار إلى أن تكلفة الألف ظهور (CPM) في غرف البث المباشر على منصة Douyin وصلت إلى 80 يوان في عام 2025، بزيادة قدرها 300% مقارنة بعام 2022، في حين انخفضت معدلات التحويل الفعلي من 5% إلى 1.2%.
من جهة أخرى، يطالب كبار مقدمي البث المباشر بنسب عمولات مرتفعة باستمرار. وأوضح Zhou Yan، مؤسس علامة التجميل Oupailai، في منتدى صناعي نهاية عام 2025: "في عام 2024، كانت عمولة البث المباشر مع المشاهير بحدود 40%، أما في عام 2025 فقد قفزت لتصل إلى 60% بشكل عام".
بالإضافة إلى ذلك، تعاني تجارة البث المباشر من معدلات مرتفعة للغاية لمرتجعات السلع بسبب الشراء الاندفاعي؛ حيث تبدأ نسبة المرتجعات عادة من 50% وتصل في قطاع الأزياء إلى أكثر من 90%. وفي المقابل، تتراوح نسبة المرتجعات في منصات التجارة الإلكترونية التقليدية بين 12% و22% فقط، وتكون أقل من ذلك في فئة مستحضرات التجميل. ولا تقتصر أضرار المرتجعات المرتفعة على زيادة تكاليف الخدمات اللوجستية والتلفيات فحسب، بل تقلل أيضاً من كفاءة التحويل الحقيقي للأرباح.
هذا التحول الاستراتيجي نحو القنوات الأكثر استقراراً يعيد تشكيل مشهد الشركاء التشغيليين في الصين؛ حيث تواجه شركات إدارة المتاجر الإلكترونية الكبرى تحديات حوكمة وتشغيل معقدة، مثلما يظهر في الأزمات الأخيرة التي واجهت عملاق التجارة الإلكترونية الصيني Lily&Beauty التي تسعى جاهدة لاستعادة ربحيتها عبر تعزيز أعمال التوزيع الحصري للعلامات التجارية العالمية وتطوير قنواتها الرقمية.
تتميز منصات التجارة التقليدية أيضاً بمعدلات إعادة شراء أعلى بكثير؛ حيث تظهر البيانات أن معدل إعادة الشراء لأعضاء منصة Tmall يتراوح بين 38% و45%، ويصل في فئات التجميل والرعاية الصحية إلى أكثر من 50%.
وفي ظل دخول قطاع التجارة الإلكترونية مرحلة المنافسة على الحصص السوقية الحالية بدلاً من التوسع الجديد، تبحث العلامات التجارية عن قنوات بيع مستقرة، قابلة للتحكم، وتضمن تحقيق أرباح مستدامة. وكما لخص أحد الخبراء في القطاع: "على عكس البث المباشر، تظل منصات التجارة الإلكترونية التقليدية هي المكان الحقيقي لبناء علامة تجارية راسخة".



النقاش
0 تعليق